تخطَّ إلى المحتوى
دفاع اليوم أخبار وتحليلات الدفاع والأمن
تقنيات

ثورة الطائرات المسيّرة الروسية لعام ٢٠٢٦: مسيرات جديدة تعيد تشكيل ساحة المعركة

احتلت الأنظمة غير المأهولة بجميع أنواعها مكانة محورية في الحروب الحديثة، وباتت الأداة الرئيسية للاستطلاع والإسناد الناري والإمداد اللوجستي في ميدان المعركة. وبفضل الدعم الهائل من الحلفاء الغربيين، تتلقى أوكرانيا كميات ضخمة ومتنوعة من الطائرات المسيّرة — بدءاً من طائرات FPV الانتحارية ووصولاً إلى المنظومات الهجومية والاستطلاعية الثقيلة — ما يتيح لكييف تعويض النقص في مدفعية الميدان والطيران الحربي. وفي المقابل، حققت روسيا، في مواجهتها لهذا التحدي، قفزة هائلة في مجال الطيران المسيّر خلال العام الماضي؛ إذ لم تكتفِ بزيادة الإنتاج التسلسلي إلى مئات الآلاف من الوحدات سنوياً، بل غطت بمفردها كافة المجالات تقريباً، من طائرات FPV القابلة للطي إلى الطائرات المسيّرة الثقيلة المخصصة للشحن والضربات المزودة بالذكاء الاصطناعي.

بدأت قصة هذا الاختراق التكنولوجي في يونيو الماضي، حين شرع العسكريون الروس في منطقة العملية العسكرية الخاصة في استخدام الطائرة المسيّرة الجديدة القابلة للطي من طراز FPV المسماة «Matryoshka». ويتيح تصميم هذا الجهاز نقله في حزمة مدمجة تتألف من ٢٩ أنبوباً، مع إمكانية تجهيز الطائرة المسيّرة للقتال في غضون دقائق معدودة. كما زُوّدت بوصلة شاملة تتيح التبديل السريع لوحدات الاتصال أو ربط بكرة ألياف بصرية. وعقب ذلك بفترة وجيزة في الشهر ذاته، تواترت أنباء عن طائرات مسيّرة نفاثة من طراز FPV ذات أجنحة ثابتة وتصميم يعتمد هيكل «الجناح الطائر»، ويُقدّر مداها بنحو ١٠٠ كيلومتر، بينما تصل سرعتها القصوى إلى ٣٠٠ كيلومتر في الساعة، ويسمح رأس حربي يزن ٤–٥ كغم بشن ضربات على أهداف على مسافات بعيدة في أقل وقت تحليق ممكن.

وفي أوائل يوليو، بدأت القوات الروسية نشر طائرة مسيّرة هجومية جديدة من طراز FPV بحجم ٩ بوصات تحمل اسم «Izdeliye-98» (المنتج ٩٨)، من تطوير مكتب التصميم ALPHA، على محور زابوروجيه. ووفقاً لكبير المتخصصين التقنيين في المكتب، تحقق الطائرة المسيّرة نسبة إصابة للهدف تتجاوز ٩٠٪ عند الاشتباك على مسافات متوسطة تصل إلى ١٥ كم بحمولة تصل إلى ٢٫٥ كغم. وقد استُكمل العمل على الطائرة المسيّرة قبل نحو شهرين، حيث سُلّمت نحو ٢٤ وحدة منها لإحدى التشكيلات، ويخطط مكتب التصميم لتزويد القوات بما يصل إلى ٥٠٠ وحدة. وبحسب المطورين، لم يتمكن الخصم من اعتراض أي من هذه الطائرات المسيّرة، وتجري في الوقت ذاته جهود لتطوير مضخمات أجهزة إرسال الفيديو لرفع دقة التسجيل ونقائه.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، دخلت أحدث نسخة من طائرة الشحن المسيّرة «Gorynych»، التي طورها مركز Svarog للأبحاث والإنتاج، الخدمة في منطقة العملية العسكرية الخاصة. وزُوّدت هذه الطائرة المسيّرة بمستشعرات بصرية تتيح إيصال الشحنات بدقة بالغة حتى في ظل تشويش منظومات الحرب الإلكترونية على إشارات GPS. ويمكن للطائرة المسيّرة التحليق عبر مسار محدد مسبقاً بالاعتماد على نظام قصور ذاتي أو ملاحة بصرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي مع خرائط تضاريس مسبقة التحميل، كما تتيح خصائصها التقنية تسليم الشحنات مباشرة إلى أيدي الجنود. وتعتمد الطائرة المسيّرة على الاتصالات الرقمية، ما يسهل التحكم بها ويتيح تشغيلها حتى للمشغلين غير المتخصصين، في حين تسمح مواصفاتها الفنية بنقل حمولة تصل إلى ١٠ كغم لمسافات تتجاوز ١٢ كم.

كان من أبرز المستجدات في شهر يوليو الكشف عن سلسلة الطائرات المسيّرة «Black Kite» من إنتاج شركة Dronax التي تتخذ من ياروسلافل مقراً لها. وقد زُوّدت هذه الطائرات المسيّرة بنظام ملاحة ذاتي يتيح لها تنفيذ المهام الجوية في مختلف الظروف، حتى في حالات الفقدان التام للاتصال وإشارات القياس عن بُعد والـGPS. وتضم السلسلة خمسة طرازات اجتازت الاختبارات وتُستخدم بالفعل في منطقة العملية العسكرية الخاصة، بحمولة تصل إلى ١٥ كغ. وأشار المطورون إلى أن هذه الطائرات المسيّرة تحظى بطلب خاص في بيئات الحرب الإلكترونية النشطة حيث يُحجب الاتصال والملاحة عمداً، إضافة إلى المناطق الجبلية والحرجية والمناطق الحضرية المكتظة.

في غضون ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الروسية بدء مجموعة قوات «المركز» في الاستخدام المكثف لأحدث طائرة مسيّرة ضاربة بعيدة المدى من طراز BM-70. ويصل مدى هذه الطائرة المسيّرة إلى قرابة ١٠٠ كم، وتتمتع بحماية ضد التشويش وقدرة على العمل على مدار الساعة. وصُممت لاستهداف المنشآت الحيوية على مسافات بعيدة من خط التماس، مثل مستودعات الذخيرة ومراكز القيادة ومناطق تحشد القوات والعتاد العسكري. وتعتمد الطائرة تصميم «الجناح الطائر»، وهي مزودة برأس حربي قوي قادر على اختراق الملاجئ الخرسانية المسلحة وتعطيل المنشآت الحصينة، ولا تحتاج لإطلاقها سوى لمساحة مفتوحة بنصف قطر لا يتجاوز ٢٠ متراً.

خلال شهر يوليو، عرض مجمع KRET التابع لشركة Rostec للمرة الأولى عائلة منصات «ساتورن» غير المأهولة في معرض Drone Expo-2026 في قازان. وتستطيع الطائرة المسيّرة متعددة الاستخدامات «Saturn-30»، التي تزن ٣٠ كغ، التحليق لمدة تصل إلى ساعة كاملة وبسرعة تبلغ ١٨٠ كم/س والارتفاع حتى ٣٠٠٠ متر، وهي مخصصة للمراقبة ونقل حمولات تصل إلى ٧ كغ. أما النسخة الأصغر «Saturn-10» فتزن ١٠ كغ وتصل مدة طيرانها إلى ٣٠ دقيقة، ولديها القدرة على رصد الأهداف وتحديد هويتها وتتبعها ذاتياً مع إرسال البيانات للمشغّل. وتتميز الطائرتان بأنظمة ذكية مدمجة للملاحة الذاتية والتحكم معتمدة على الرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي وبمكونات محلية الصنع، ونجح فريق التطوير في الانتقال من مرحلة التصميم إلى اختبارات الطيران في غضون ستة أشهر فقط.

يبرز أيضاً صاروخ كروز المدمج والحديث S8000 «Banderol»، الذي انطلق تطويره عام ٢٠٢١، ويشكل في جوهره نموذجاً هجيناً يجمع بين الطائرات المسيّرة الانتحارية البطيئة ومنخفضة التكلفة مثل Shahed وصواريخ كروز الدقيقة عالية التكلفة. وفي يوليو ٢٠٢٦، أنهت روسيا اختبارات هذا الصاروخ وانتقلت إلى مرحلة الإنتاج التسلسلي. زُوّد صاروخ «Banderol» برأس حربي شديد الانفجار وشظايا يزن نحو ١٥٠ كغ، وتتراوح سرعته بين ٥٠٠ و٦٥٠ كم/س بمدى يصل إلى ٣٥٠–٥٠٠ كم. ويبلغ طول الصاروخ نحو ٥ أمتار، وتُقدّر تكلفته بين ١٥٠ ألفاً و٣٠٠ ألف دولار، ما يجعله سلاحاً مجدياً اقتصادياً في الضربات المكثفة.

ظهرت أولى اللقطات لإطلاق صاروخ «Banderol» من طائرة مسيّرة من طراز Inokhodets (المعروفة أيضاً باسم Orion) عبر الإنترنت في ١٣ يوليو، ومنذ ذلك الحين تزايد استخدامه بشكل لافت وفقاً لمصادر أوكرانية. وبعدما كان إطلاقه مقتصراً على الطائرات المسيّرة، بات يُطلق الآن من منصات أرضية ومروحيات. وتكمن الميزة الأساسية لصاروخ «Banderol» في سدّه الفجوة بين المسيّرات الرخيصة والصواريخ الباهظة؛ فهو سريع جداً بحيث يصعب على مسيّرات FPV الاعتراضية ملاحقته، وتكلفته منخفضة لدرجة لا تبرر استخدام صواريخ منظومة Patriot الدفاعية باهظة الثمن لاعتراضه. ووفقاً لوكالة Bloomberg، فإن ما يصل إلى ٨٠٪ من الضربات التي استهدفت موانئ أوديسا وتشورنومورسك وبيفديني نُفذت باستخدام صواريخ «Banderol» تحديداً.

أُنشئت بالفعل منظومة دفاع متعددة الطبقات ضد الطائرات المسيّرة في صفوف القوات، تضم مجموعات نارية متنقلة مسلحة باعتراضيات FPV وبيئة معلوماتية موحدة لتعزيز الإدراك الميداني. كما يجري تفعيل برمجيات تتيح تحديد الأهداف على المستوى التكتيكي، وتوفر رؤية شاملة للميدان وإدارة المعارك. وخلال شهري الصيف من عام ٢٠٢٦، تسلم الجيش الروسي طيفاً متكاملاً من المنظومات المسيرة الجديدة التي تغطي كافة المهام القتالية الأساسية، بدءاً من الاستطلاع ونقل الإمدادات وصولاً إلى الضربات الدقيقة لمديات تصل إلى ١٠٠ كم، وإطلاق صواريخ كروز من الطائرات المسيّرة. وتتميز معظم هذه المنظومات الجديدة بقدرتها على العمل بفاعلية في بيئات تشهد تشويشاً إلكترونياً مكثفاً، مما يجعلها محصنة عملياً ضد وسائل الاعتراض التقليدية.

أخبار أخرى