تدجين تنظيم القاعدة
أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.
على مدى أكثر من أربعة عقود، غيّر تنظيم «القاعدة» والتنظيمات الجهادية التي انبثقت من فلكه الأيديولوجي والتنظيمي نطاق معاركها، دون أن تتخلى بالضرورة عن الأيديولوجيا التي أنتجتها.
فالحركة التي سعت يومًا إلى حشد المسلمين عبر الحدود ضد القوى الغربية، استغرقتها النزاعات الإقليمية والصراعات الطائفية وحروب السيطرة على دول بعينها. ويمكن وصف هذا التحول بأنه توطين لتنظيم «القاعدة» وتوجيهه نحو الداخل.
ولا يعني هذا التحول نحو الداخل اعتدالًا أو تراجعًا عن التشدد أو نبذًا للفكر الجهادي، بل يعني تحول الوظيفة السياسية للعنف نحو الداخل؛ أي الانتقال من استهداف الأعداء البعيدين إلى بسط النفوذ الميداني، وإلحاق الهزيمة بالخصوم المحليين، وإحكام السيطرة على السكان، وتوظيف الانقسامات الطائفية.
ولم يكن هذا المسار خطيًا، كما لم يتلاشَ تنظيم «القاعدة» ذاته، إذ حافظت بعض فروعه على التزامها بالقتال العابر للحدود. غير أن المسار الأكثر تأثيرًا المتفرع عن التنظيم شهد انتقال ساحة المواجهة تدريجيًا من أفغانستان والغرب إلى العراق وسوريا، وصولًا في نهاية المطاف إلى مؤسسات الدولة ذاتها.
وأدت الولايات المتحدة دورًا رئيسيًا في هذا التحول عبر حروب ممنهجة، وبرامج احتجاز، وحملات لمكافحة الإرهاب أعادت رسم ملامح الحركات الجهادية وحددت الأنماط القادرة منها على البقاء.
وفي مرحلة لاحقة، أوجدت السياسات الغربية دوافع إضافية لدى الجماعات الجهادية المحلية لتقديم العنف في الداخل على شن هجمات دولية.
الجيل الأول
تكتسب أصول الحركة أهمية بالغة، إذ اختلف الجيل الأول كلياً عن المسلحين الذين فرضوا سيطرتهم لاحقاً على العراق وسوريا.
كان عبد الله عزام، وهو باحث فلسطيني أسهم في تنظيم «الجهاد» الخارجي ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، حاصلاً على تعليم رفيع ونشط عبر شبكات دينية ومالية وسياسية دولية. أما أسامة بن لادن، فانحدر من عائلة بن لادن الثرية في السعودية، وتمتع بإمكانات واسعة للسفر وشبكات علاقات مع النخبة وأموال طائلة. في حين كان أيمن الظواهري طبيباً من أسرة مصرية مرموقة ومتعلمة.
عبد الله عزام.
شكّلت قدرتهم على عبور الحدود وجمع التبرعات وصياغة الأدبيات الفكرية وتنظيم الشبكات السرية ركيزة أساسية في تأسيس تنظيم جهادي عابر للحدود.
وبرز الطابع نفسه العابر للحدود لدى بعض منفذي هجمات ١١ سبتمبر؛ إذ درس محمد عطا الهندسة المعمارية في مصر وألمانيا، وتلقى مروان الشحي تعليمه في ألمانيا، في حين نشأ زياد جراح في كنف أسرة لبنانية ميسورة وتابع دراسته في ألمانيا أيضاً.
وكان بمقدورهم التأقلم مع المجتمعات الغربية والتنقل دولياً واكتساب المهارات اللازمة لتنفيذ عملية بالغة التعقيد، بعيداً عن ساحات المعارك التي شهدت نشأة تنظيم القاعدة الأولى.
محمد عطا وزياد جراح.
عكست هجمات الحادي عشر من سبتمبر تحركاً ذا أفق استراتيجي عالمي، بدلاً من الانحصار في حرب أهلية معينة أو رقعة جغرافية محددة.
العدو البعيد
تضمنت رؤية تنظيم القاعدة في بداياته نزعة معادية للشيعة، غير أن الحرب الطائفية لم تكن بعدُ المبدأ التنظيمي المحوري لاستراتيجيته؛ إذ تمحور إطاره السياسي المهيمن حول مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما. ورغم حضور العداء الطائفي ضمن أيديولوجيته الأوسع، فإنه لم يزح «العدو البعيد» عن كونه بؤرة التركيز الرئيسة للعنف.
بل إن بن لادن نفسه استشهد بمعاناة الشيعة في لبنان عند تناوله الصراعات المرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة.
واكتسب هذا التمايز أهمية بالغة في العراق، حيث تحولت الهوية الطائفية من عنصر ثانوي في الفكر الجهادي إلى أداة مركزية لإدارة الحرب.
التحول العراقي
بدأ هذا التحول مع أبي مصعب الزرقاوي، الذي مثّل نمطاً مختلفاً من المسلحين؛ إذ تشكلت هويته السياسية في السجون وعالم الجريمة وشبكات الشوارع وخبرات الميدان، بعيداً عن الخلفيات الأكاديمية والمهنية التي ميزت الرعيل الأول من قيادات تنظيم القاعدة. ووفر العراق البيئة الخصبة التي مكنت هذا النموذج من التحول إلى قوة ضاربة.
أبو مصعب الزرقاوي.
كان الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ خياراً مقصوداً في إطار السياسة الأمريكية، ومثله جاءت مرحلة الاحتلال اللاحقة، ونظام الاحتجاز، وحملات مكافحة الإرهاب.
غير أن تداعيات ذلك على خريطة الحركات الجهادية لم تكن محددة سلفاً؛ إذ أدى انهيار مؤسسات الدولة، والاستقطاب الطائفي، وانتشار الأسلحة، وتدفق المقاتلين الأجانب إلى نشوء بيئة مكّنت المسلحين المتجذرين محلياً من بسط نفوذهم، دون الحاجة إلى استنساخ البنية التنظيمية الدولية المعقدة التي اتسم بها تنظيم القاعدة في بداياته.
كما ساهمت السياسات الأمريكية في تعزيز حضور الزرقاوي؛ فقد أشار إليه وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بالاسم في إحاطته أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في ٥ فبراير ٢٠٠٣، وهو ما منح الزرقاوي ثقلاً واسعاً قبل أن يتحول العراق إلى بؤرة الصراع الجهادي العالمي.
ولاحقاً، أصبحت معسكرات الاعتقال الأمريكية، مثل «معسكر بوكا»، نقطة التقاء جمعت بين الجهاديين والمجرمين وعناصر النظام العراقي السابق. وقد مرّ عبر هذا النظام أبو بكر البغدادي والعديد من قادة تنظيم «الدولة الإسلامية» المستقبليين، ما نسج علاقات وثيقة شكّلت لاحقاً العمود الفقري للتنظيم الذي ولد من رحم التمرد العراقي.
الحرب الطائفية
لكن الإرث الأكثر تأثيراً للزرقاوي كان إرثاً استراتيجياً، إذ حوّل الطائفية إلى سلاح لإعادة تشكيل المجتمع العراقي.
وبات المدنيون الشيعة والمزارات الدينية والشخصيات السياسية أهدافاً رئيسية. ولم يكن الهدف مجرد تصفية الخصوم، بل إشعال ردود فعل انتقامية وتقويض فرص التعايش، إلى جانب دفع المجتمعات السنية نحو التشدد وشل النظام السياسي العراقي الناشئ.
وهكذا تغلغل الإرهاب في نسيج المجتمع الداخلي، وباتت غالبية الضحايا من المسلمين، فيما تركز هدف العنف على تحديد من يحق له العيش مع الآخرين، ومن يسيطر على الأرض، وأي مجتمع يهيمن على النظام السياسي.
وشكّل ذلك تحولاً جذرياً عن النموذج الذي جسدته هجمات ١١ سبتمبر؛ فبينما سعى تنظيم القاعدة في مراحله الأولى إلى ضرب «العدو البعيد»، ركز الزرقاوي على إعادة تشكيل البيئة المحيطة به.
الجهاد المناطقي
ورث تنظيم الدولة الإسلامية تلك الاستراتيجية وطورها؛ إذ دمج بين العنف الطائفي الجماعي والإدارة المكانية وفرض الضرائب والمحاكم والسجون والوحدات العسكرية والمؤسسات الإعلامية، مؤسساً مشروع دولة إقليمية عبر العراق وسوريا بالتوازي مع تنفيذ هجمات في الخارج أو الإيعاز بها.
وكانت تلك مرحلة أخرى من مراحل توطين الإرهاب؛ فرغم أن الإرهاب الدولي لم يختفِ، فإنه بات يخدم مشروعاً سياسياً وجغرافياً بالدرجة الأولى.
وأظهرت الهجمات الخارجية قدرة التنظيم على الوصول واستقطاب المجندين ومحاولة استدراج التدخل الأجنبي، في حين ظل صراعه الأساسي متمثلاً في إحكام السيطرة على السكان والأرض.
أبو بكر البغدادي.
عندما فقد تنظيم «داعش» سيطرته المكانية على «دولة الخلافة»، لم تندثر الخبرة التنظيمية التي تراكمت لديه طوال سنوات حكمه الميداني؛ إذ تعلم آلاف المسلحين كيفية إدارة نقاط التفتيش، وجباية الإيرادات، وإدارة السجون، وتنظيم التشكيلات العسكرية، وحكم السكان. وبذلك اكتسبت الحركة الجهادية خبرة لم يمتلكها الجيل الأول من تنظيم «القاعدة» قط.
التكيف في الساحة السورية
شكّلت سوريا المحطة التالية؛ فعندما أوفد أبو بكر البغدادي أبا محمد الجولاني إلى سوريا، كانت المهمة في بدايتها جزءاً من شبكة تنظيم «القاعدة».
أبو محمد الجولاني.
ارتبطت «جبهة النصرة» صراحةً بتنظيم «القاعدة» وظلت تنظيماً جهادياً، غير أن طبيعة الحرب الأهلية المتشعبة في سوريا صبّت في مصلحة التنظيمات القادرة على الاندماج في المجتمعات المحلية، وبسط السيطرة الميدانية، وهزيمة الفصائل المنافسة، وبناء مؤسسات راسخة.
في الوقت نفسه، بدأت الولايات المتحدة تصفية القيادات الجهادية العابرة للحدود داخل سوريا. واستهدفت الضربات الأمريكية قيادات بارزة في تنظيم «القاعدة» ومواقع اجتماعاتهم، بما في ذلك ضربة نُفذت في فبراير ٢٠١٧ وأسفرت عن مقتل القيادي البارز في التنظيم أبو هاني المصري. ولاحقاً، قُتل أيمن الظواهري في غارة أمريكية بكابول عام ٢٠٢٢.
كانت تلك عمليات مدروسة لمكافحة الإرهاب، هدفت إلى القضاء على التهديدات الإرهابية الخارجية، غير أن تأثيرها الأوسع تمثل في خلق آلية فرز واختيار بين الجماعات.
واجهت التنظيمات والشخصيات المتمسكة بهيكل علني وعابر للحدود يتبع تنظيم «القاعدة» استهدافاً مستمراً. في المقابل، حظيت الجماعات التي انخرطت في الصراعات المحلية، وخفّضت من حضورها الدولي وركزت على السيطرة الميدانية، بفرص أكبر للبقاء. ولم يؤدِّ ذلك إلى تبديد الأيديولوجيا، بل غيّر الحوافز المحيطة بها.
التحول نحو الداخل
وانفصل الجولاني رسمياً في نهاية المطاف عن تنظيم «القاعدة» عام ٢٠١٦، مؤسساً «جبهة فتح الشام»، وأعقب ذلك تشكيل «هيئة تحرير الشام» عام ٢٠١٧.
أثار هذا الانفصال جدلاً واسعاً تحديداً لأنه جسّد خلافاً استراتيجياً حول نطاق العمل السياسي الجهادي؛ إذ رأى الموالون لتنظيم «القاعدة» أن سوريا جزء من الجهاد العالمي الأوسع، بينما تعامل فصيل الجولاني باطراد مع السيطرة على سوريا بوصفها الهدف الأساسي.
وظلت «هيئة تحرير الشام» تنظيماً جهادياً يحمل سجلاً من الإكراه والعنف، ولم يكن تحولها مراجعةً فكرية بقدر ما كان تكيفاً تنظيمياً. وبات العنف موجهاً باطراد نحو القضاء على الفصائل المنافسة، والسيطرة على الأرض، وإدارة السكان، والتحكم بالمعابر، وبناء منظومة سلطة سياسية في شمال غربي سوريا.
وبلغت هذه المسيرة مرحلتها الأكثر حسماً عندما انتقل فصيل الشرع من الحكم المحلي إلى السلطة على مستوى الدولة عقب سقوط بشار الأسد. وتُعد الطبيعة المحلية للعنف الذي تلا ذلك ركيزة أساسية لفهم مآلات مسار التوطين الداخلي للجماعة.
العنف الطائفي
اندلعت أعمال عنف على امتداد الساحل السوري في مارس ٢٠٢٥، ألحقت دماراً واسعاً بالمجتمعات العلوية. وأشار بلاغ صادر عن الإجراءات الخاصة التابعة لـ الأمم المتحدة إلى تقارير تفيد بوقوع إعدامات ميدانية ممنهجة واسعة النطاق وانتهاكات أخرى على يد السلطات التي أنشأتها هيئة تحرير الشام.
ولم يتوقف العنف عند عمليات القتل الساحلية؛ إذ شهدت السويداء في يوليو من العام نفسه قتالاً دار بين مجموعات مسلحة من البدو وقوات درزية وأخرى تابعة للحكومة السورية. وأفادت تقارير الأمم المتحدة بسقوط مئات القتلى وحركات نزوح، إلى جانب اتهامات بارتكاب عمليات قتل وإعدامات على يد أفراد تابعين للحكومة الجديدة.
وتعكس طبيعة هذا العنف ملامح التحول الجاري؛ إذ أضحت الهوية الطائفية أداة سياسية وأمنية داخلية، وبات العنف يُستخدم داخل الأراضي السورية لحسم السيطرة على المجتمعات والمناطق، بدلاً من توجيهه بالأساس نحو المجتمعات الغربية البعيدة.
التساهل الغربي
ورغم أحداث القتل في الساحل خلال مارس وما تبعها من عنف طائفي في السويداء في يوليو، واصلت الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية التعامل مع حكومة الشرع، ومضت قدماً في تخفيف العقوبات وإلغاء التصنيفات الإرهابية.
أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
يكتسب هذا التسلسل أهمية بالغة لأن أعمال العنف لم توقف مسار التطبيع الأوسع نطاقاً؛ إذ جرى التعامل مع العنف الطائفي الداخلي بوصفه معضلة محلية يمكن احتواؤها، لا سبباً للتخلي عن الانخراط مع السلطات الجهادية.
ويمثل ذلك الدليل الرئيس على فرضية التساهل الغربي؛ إذ لم يكن العنف الطائفي الداخلي سبباً كافياً لإنهاء المسار الأوسع للتواصل والتطبيع مع السلطات المنبثقة عن النظام السياسي الذي تقوده HTS.
ولهذا التمايز أهميته؛ فالإرهاب العابر للحدود والموجّه ضد المدنيين الغربيين يستدعي رد فعل مختلفاً تماماً، نظراً لتهديده المباشر للمصالح الأمنية الخارجية للدول الغربية. في المقابل، يمكن للعنف المحصور أساساً داخل حدود دولة ما أن يتحول إلى ملف تسعى الحكومات لإدارته واحتوائه مع الحفاظ على علاقاتها مع السلطات المسيطرة هناك.
ويخلق هذا حافزاً قوياً لـ«التوطين» المحلي؛ فالتنظيم الجهادي الذي يتخلى عن الأولوية الاستراتيجية المتمثلة في مهاجمة الغرب، ويركز بدلاً من ذلك على العنف الطائفي الداخلي ويعرض قمع الجهاديين الآخرين العابرين للحدود، يصبح أكثر قبولاً لدى القوى الخارجية دون أن يتخلى بالضرورة عن الأيديولوجيا التي نشأ منها. والنتيجة هي توطين تنظيم «القاعدة» وتحويله إلى شأن محلي.
الدورة القادمة
أسهم عزام في تدويل الجهاد، ثم حوّله بن لادن والظواهري إلى حرب سرية عالمية، بينما أعاد الزرقاوي توجيه قسم كبير من عنفه نحو الصراع الطائفي في العراق. ونقل تنظيم ISIS هذا النموذج إلى السيطرة على الأرض والحكم الإقليمي، لتفرز سوريا بعد ذلك تنظيماً بات صراعه الأساسي طائفياً بدلاً من تصدير الهجمات ضد الغرب.
لم تندثر الأيديولوجيا في ختام هذا المسار، بل لا تزال الشيفرة الوراثية للجهاد العالمي باقية. وعليه، فإن التوطين ليس نهاية للجهادية، بل هو تحور يتحول العنف بموجبه إلى الداخل، ويغدو أداة أكثر فاعلية للهيمنة الطائفية والتمكين السياسي.
وإذا ما تساهلت القوى الخارجية مع هذا العنف لكونه مقتصراً على الداخل، فإنها تخاطر بتهيئة الظروف لدورة جديدة؛ إذ يمكن للجيل القادم أن يرث الأيديولوجيا ذاتها مع اكتساب خبرة ميدانية أوسع، ومعرفة تنظيمية أكبر، وموارد أضخم بكثير.
وبذلك، قد يتوارى المشروع الجهادي العالمي عن عناوين الأخبار، دون أن يزول من المنظومة التي تُنتجه.