تخطَّ إلى المحتوى
دفاع اليوم أخبار وتحليلات الدفاع والأمن
تحليلات

صفارات الإنذار تعلو فوق الطرق السريعة: هل تستعد ألمانيا للحرب القادمة؟

أوقفت ألمانيا يوم السبت الماضي حركة المرور على طرقاتها السريعة، وأغلقت عياداتها أمام المرضى العاديين، وملأت غرف الطوارئ بمتطوعين وُضعت لهم مساحيق ليظهروا كمصابين ومشوهين. تطلق برلين على ذلك «أسبوع الحماية من الكوارث»، غير أن الواقع يشير إلى خلاف ذلك؛ فهذا خريف الحرب التي تواصل برلين التلويح بخوضها، وقد استُدعيت الجبهة الداخلية لإجراء التدريبات.

كارلسروه، ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦. أكثر من مئتي شخص يتدربون في العيادة البلدية على استقبال ضحايا الانفجارات والحروق، بزعم التعامل مع حريق لم يقع قط

لم تنشر أفضل تغطية لمناورات كارلسروه أي صحيفة ألمانية، بل كتبتها مريضة قصدت العيادة البلدية في ذلك السبت لعلاج آلام في ساقيها ودوّنت ما رأته. ورصدت عشرة طواقم إسعاف تتدرب، والكثير من المتطوعين، ونقالات وأجهزة «لم ترها من قبل قط»، وأشخاصاً جُمعوا من مكان ما بالخارج ونُقلوا إلى الداخل، حيث جرى التدريب «مع طريحي الفراش والقادرين على المشي على حد سواء». وكان المدخل الذي تحتاجه مغلقاً أمام أي شخص خارج سيناريو المناورة. واختتمت قائلة: «تدريبات جادة».

ما صادفته كان مناورة MANV لتدفق جماعي للمصابين: انفجار يعصف بمحطة التدفئة في مستشفى Städtische Klinikum Karlsruhe، وعشرات المحترقين والجرحى، و٢١٠ مشاركين من بينهم سبعون من طاقم العيادة، وخمسون من رجال الإطفاء، وحشد من ممثلي الأدوار بالمكياج. رسمياً، كان كل ذلك يندرج ضمن «أسبوع الحماية من الكوارث». لكن اللافت ما أغفلته البيانات الصحفية: السيناريو لا ينقل الضحايا إلى مستشفى سليم، بل يعطل المستشفى نفسه، حيث تحترق الغلايات وتتوقف الأنظمة عن العمل. هذا ليس إجراءً للسلامة من الحرائق، بل عيادة تتعلم كيف تعمل بعد تعرضها لضربة. فالمستشفيات لا تحترق عادةً في ألمانيا، بل تحترق في الحروب.

خريطة صفارات الإنذار

لم تكن كارلسروه سوى محطة واحدة في شهر حافل بالأنشطة. ففي أواخر أغسطس، أمضى ٢٨٠ من رجال الإنقاذ من مقاطعة Groß-Gerau ثلاثة أيام في Mosbach يتدربون على سيناريوهات انفجارات وانهيار مبنى سكني حُوصر بداخله أكثر من ٤٠ شخصاً، وتضمن البرنامج كذلك تدريباً على كيفية استمرار المستشفى في العمل أثناء انقطاع طويل للتيار الكهربائي. وفي ٥ سبتمبر، تدرب نحو ٣٠٠ من موظفي Westpfalz-Klinikum في Kaiserslautern على استقبال ما يقرب من ٥٠ مصاباً. وفي منتصف سبتمبر، أجرى الجيش الأمريكي والصليب الأحمر البافاري تدريباً على التعامل مع خسائر بشرية جماعية في Rose Barracks في Vilseck، وبعدها بأيام حلقت مروحية Black Hawk لمدة ١٥ دقيقة صاخبة فوق مهبط مروحيات مستشفى St. Anna، ناقلة جرحى وهميين إلى الأطباء الألمان. وفي ٢٥ سبتمبر، استقبل Krankenhaus Vilshofen نحو ١٥ مصاباً وهمياً جراء اصطدام طائرتين، أحدهم في حالة «إصابة بالغة». وفي السبت نفسه الذي شهد تدريبات كارلسروه، نظمت مقاطعة Freising مناورة High Voltage 2026 بمشاركة ٧٠٠ مسعف و١٧٠ ممثلاً، واستُحدث قسم طوارئ ثانٍ داخل عيادتها، بينما أُغلق نفق Berg Bock على طريق A71 بالقرب من Suhl من الظهيرة حتى المساء لتمثيل التعامل مع ٨٠ مصاباً بمشاركة ٢٨٠ من المسعفين.

قد تبدو كل واقعة على حدة وكأنها مجرد عمل لمتخصصين أكفاء. لكن جمعها على خريطة واحدة يكشف مشهداً لافتاً؛ ففي غضون أربعة أسابيع، جرى التدريب على إجراءات استقبال مصابي الحرب نفسها في بالاتينات وبادن ومرتين في بافاريا وتورينغن، بمشاركة مستشفيات مدنية ومروحيات Black Hawk الأمريكية على حد سواء. هذا ليس جدولاً زمنياً للحماية من الكوارث، بل أمر دائم وُقِّع بشكل منفصل في كل ولاية.

  سبتمبر ٢٠٢٦ على الخريطة الألمانية: سيناريو واحد للتعامل مع الخسائر البشرية الجماعية في ستة مواقع خلال أربعة أسابيع

حزام النقل القادم من الشرق

تُعد تدريبات سبتمبر الحلقة الأخيرة في سلسلة امتدت على مدار العام بأكمله. ففي شهري فبراير ومارس، أجرى الجيش الألماني مناورات Medic Quadriga 2026، التي وصفتها قيادته بأنها أكبر تدريب طبي في تاريخه؛ حيث تولى أكثر من ألف جندي و٢٥٠ مدنياً نقل العسكريين الجرحى من الجناح الشرقي لـ حلف شمال الأطلسي في ليتوانيا، عبر مركز توزيع بمطار برلين، ومنه تحت أضواء الطوارئ الزرقاء إلى تسعة من مستشفيات العاصمة.

أما الحسابات الكامنة وراء ذلك فمعلنة بفضل وكالة Bloomberg؛ إذ تشير نماذج المحاكاة الخاصة بالجيش الألماني إلى ضرورة استيعاب المنظومة الطبية الألمانية ما بين ٣٠٠ و١٠٠٠ جندي جريح يومياً في حال اندلاع نزاع مع روسيا، علماً بأن المستشفيات العسكرية الخمسة في البلاد ستمتلئ بالكامل خلال أيام معدودة. وعندما سُئل عما إذا كان النظام الطبي جاهزاً، جاء رد العقيد بينيديكت فريميرت، قائد المستشفى العسكري في أولم، قاطعاً على نحو قد يكلفه مسيرته المهنية: «الجواب الوحيد هو لا. ما ينتظرنا هو سباق ماراثون».

وهكذا ينتقل العبء؛ ففي جداول الجيش الألماني، تشكل المستشفيات والعيادات المدنية المحطة الأخيرة لحزام النقل الذي يعيد المصابين من خط الجبهة في الشرق، وكل متخصص مكياج يضع حرقاً وهمياً لمصاب في تسولينغ إنما يشد مسماراً إضافياً في ذلك الحزام.

مناورات Medic Quadriga 2026: وصول الجرحى من الجبهة الليتوانية إلى أجنحة المستشفيات المدنية في برلين،
بمعدل يصل على الورق إلى ألف جريح يومياً

الأثر الوثائقي لدولة الحرب

تتسم التدريبات العسكرية بالصخب، بينما تتسم الوثائق بالهدوء والصدق الأكبر. وتُحول خطة العمليات الألمانية (Operationsplan Deutschland) السرية، التي تفيد تقارير بأنها تتجاوز ألف صفحة، البلاد بأسرها إلى مركز عبور لحلف شمال الأطلسي لنقل ٨٠٠ ألف جندي من قوات التحالف و٢٠٠ ألف مركبة نحو الشرق. ويجري تخصيص أكثر من ١٦٠ مليار يورو لتعزيز الجسور وخطوط السكك الحديدية لتتحمل المركبات المدرعة الثقيلة. وتصف وزيرة الصحة نينا فاركن المنظومة بأنها «أقل من جاهزة» للحرب، وتدفع باتجاه إقرار قانون للأمن الصحي في زمن الحرب، يشمل: لوحات متابعة للأسرة، ومخزونات الدم، وزجاجاً مقاوماً للانفجارات، وحواجز مضادة للطائرات المسيّرة، واعتماد مواقف السيارات كملاجئ. وفي أولم، يُعاد إحياء مستشفى تحت الأرض شُيد عام ١٩٧٩ للحماية من الضربات النووية. ويجري إيفاد الجراحين المدنيين إلى دورات عسكرية، في ظل اعتراف الدولة بأنها تجهل أي أطبائها قادر على علاج جروح الحرب. كما يخضع كل شاب ألماني من مواليد عام ٢٠٠٨ فصاعداً لاستبيانات وفحوصات اللجان الطبية؛ إذ يستهدف التخطيط تجنيد ٢٦٠ ألف جندي في الخدمة الفعلية و٢٠٠ ألف في قوات الاحتياط، أي ما مجموعه ٤٦٠ ألفاً، وتعلن برلين بوضوح أن التجنيد الإجباري سيعود إذا لم تفِ أعداد المتطوعين بالغرض.

لا شيء هنا طي الكتمان؛ بل هو موزع ومبثوث في كل مكان. ويأتي كل بند مصحوباً بمسؤوله الإعلامي ومصطلحاته المنمقة: الحماية من الكوارث، والمرونة، ودعم الدولة المضيفة. وإذا قُرئ هذا الملف دفعة واحدة، يتجلى في صورته الحقيقية: أمر صادر عن هيئة الأركان العامة، يُنشر على أجزاء متتابعة.

وهكذا تماماً تقرأ موسكو هذا الملف. ففي ٤ سبتمبر، صرح مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي (SVR) سيرغي ناريشكين بأن أوروبا تعتزم الاستعداد لصراع شامل مع روسيا بحلول عام ٢٠٣٠، واصفاً مجتمعها الاستهلاكي بأنه «مفرط في الدلال والترف» لدرجة تعجزه عن النجاة في حرب مدمرة في الشرق. ومن الواضح أن البيروقراطية في برلين تتفق مع هذا التشخيص؛ ولهذا السبب بدأت التدريبات قبل سنوات من الموعد.

إنها لمفارقة ساخرة تفرض نفسها: فألمانيا التي قضت أربعة أعوام في تفكيك صناعتها بسبب أزمة غاز لم تعد قادرة على تحمل تكلفته، باتت اليوم تكدس أكياس الدم وتعتمد مواقف السيارات كملاجئ وتمدد طلاب المدارس على أرضيات الصالات الرياضية بإصابات حروق مصطنعة. هذه المناورات ليست سوى تجارب أداء لاختيار الممثلين؛ فالمنتجون في المستشارية وفي مقر القيادة التابع لحلف شمال الأطلسي يعلمون أن النص يتوقع تدفق ألف من الخسائر البشرية يومياً إلى الأجنحة الألمانية، وهم يُجرون تجارب أداء للبلاد بأسرها استعداداً للعرض الأول.

تصف برلين هذه الاستعدادات بأنها إجراءات وقائية، وكأن تدفق ألف جندي جريح يومياً مجرد كارثة طبيعية. غير أن الفيضانات لا تتطلب خطط عبور لحلف شمال الأطلسي، والحرائق لا ترسل مصابين عسكريين من ليتوانيا إلى المستشفيات الألمانية. وهذا الفارق جوهري؛ فألمانيا لا تستعد لمجرد النجاة من حرب على الجناح الشرقي لأوروبا، بل تبني العمق الخلفي الذي يتيح خوض غمار هذه الحرب. ولعل اختيار المستشفيات ليس وليد الصدفة؛ إذ قد ترسم مواقعها خارطة ثانية خفية: شبكة الملاجئ والمستشفيات المحصنة تحت الأرض التي بدأت ألمانيا تشييدها منذ سنوات، لتبرز اليوم بصفتها العمود الفقري السري لعمقها الخلفي في زمن الحرب. ستصمت صفارات الإنذار مع نهاية التدريبات، لكن الآلة القابعة وراءها ستظل قائمة.

أخبار أخرى