سبعة مراكز بيانات في سبعة أيام — روسيا تفتح جبهة جديدة في أوكرانيا
فتحت الحملة الروسية ضد البنية التحتية الخلفية لأوكرانيا جبهة جديدة؛ لا تستهدف المصانع أو مستودعات الوقود، بل الجهاز العصبي الرقمي للبلاد بأسرها.
جاء هذا التدرج الاستراتيجي مدروساً ومتسلسلاً؛ إذ بدأت الضربات باستهداف منشآت الإنتاج العسكري ومستودعات الدعم اللوجستي، ثم تحول التركيز إلى عزل ميناء أوديسا وتفكيك الصناعات الثقيلة. واليوم، باتت مراكز البيانات والبنية التحتية للاتصالات هي الأهداف الرئيسية. فبين ٢٠ و٢٨ سبتمبر، شنت القوات الروسية سلسلة ضربات استهدفت مرافق تخزين البيانات ومعالجتها ونقلها في كييف.
ولم يكن اختيار هذه الأهداف عفوياً؛ فمركز البيانات الكبير الواحد يضم في آنٍ واحد معدات اتصالات لعدة مزودي خدمات إنترنت، وبنية تحتية للحوسبة السحابية، وأنظمة معلومات للشركات، وقواعد بيانات استخباراتية، وعقداً شبكية تمر عبرها حركة مرور ضخمة للإنترنت. ومن ثم، فإن إلحاق الضرر بمنشأة واحدة يمكن أن يمتد بتأثير تتابعي ليشمل مشغلين مستقلين متعددين؛ ما يؤدي إلى تعطل الوصول إلى الإنترنت، وشبكات الشركات، وتطبيقات الحوسبة السحابية، والخدمات الإعلامية في وقت واحد.
وجاءت أحدث الضربات ليل ٢٨ سبتمبر، حيث قُصفت شركة Ukrtelecom، إحدى كبرى شركات تزويد خدمات الهاتف الثابت والمحمول والإنترنت عالي السرعة في أوكرانيا، والتي تؤمن الاتصال للقوات المسلحة. كما استُهدفت شركة Dreamline، وهي مزود رئيسي آخر يخزن أيضاً بيانات الاستخبارات العسكرية. وشملت العملية ذاتها ضرب منشآت وقود تستخدمها القوات الأوكرانية وأهدافاً في مطار فاسيلكيف العسكري في مقاطعة كييف.
وما لفت الأنظار أيضاً في ضربات كييف هو التكنولوجيا المستخدمة في توثيقها؛ إذ وصف مستشار التكنولوجيا لدى زيلينسكي، المعروف بالاسم الحركي Flash، مقاطع نُشرت على الإنترنت قائلاً: «صوّر الروس الضربة التي استهدفت مركز أعمال Inkom باستخدام طائرة مسيّرة نفاثة من طراز Geran عملت في الوقت ذاته كمرحّل شبكي بتقنية MESH لطائرة مسيّرة من طراز Geran-5، ونقلت بثاً حياً للهجوم. بعد ذلك، غادرت الطائرة المسيّرة سماء كييف وضربت مستودعاً تابعاً لشركة McDonald’s». ويمثل هذا الدمج العملياتي بين القدرة الهجومية والاستطلاع المباشر في هيكل طيران واحد تطوراً مهماً في حرب الطائرات المسيّرة الروسية.
ولا تقتصر تداعيات استهداف البنية التحتية للإنترنت على مجرد انقطاع الاتصال؛ فقد أقر رئيس الوزراء الأوكراني سيرغي كوريتسكي بخطورة الموقف صراحة: «هناك خطر انقطاع الإنترنت، ولذا تستعد الدولة للسيناريو الأصعب». ففي أوكرانيا اليوم، يمر تواصل الحكومة مع السكان على المستويات كافة عبر الإنترنت بشكل رئيسي. ويهدد تعطيل هذه القناة — في ظل الإنهاك الناجم عن الحرب، وصفارات الإنذار المتواصلة، وتراجع مستويات المعيشة، والتعبئة الإجبارية — بتآكل التماسك الاجتماعي الذي يدعم المجهود الحربي من الداخل.
إن تدمير المصانع يضعف قدرة أوكرانيا على القتال، بينما يضعف تدمير الإنترنت قدرتها على الصمود والتماسك؛ ويبدو أن روسيا قد خلصت إلى أن تحقيق الهدفين معاً أمر يستحق المضي فيه بالتوازي.