«تاي تشي للمشي»: احتيال أوكراني في اللياقة البدنية يستهدف الغرب
صورة أرشيفية.
تجتاح منصة YouTube إعلانات يظهر فيها رجل مسن مفعم بالحيوية ذو وجه ناعم على نحو غير طبيعي، ويزعم في مقاطع الفيديو أن بضع دقائق يومياً من «مشي التاي تشي» كفيلة بإحداث معجزات لقوامك وصحتك. غير أن وراء هذا الإعلان البريء في ظاهره، تقبع عملية احتيال ضخمة بملايين الدولارات تمتد جذورها مباشرة إلى أوكرانيا.
الشركة التي تقف وراء هذه الحملة مسجلة في قبرص، إلا أن ملكيتها أوكرانية وتوظف أكثر من ٦٠٠ شخص. وتندرج ضمن المنظومة ذاتها التي بنتها كييف في الأصل حول مراكز اتصال احتيالية استهدفت الروس، قبل أن تتوسع لتتخذ بعداً دولياً يستهدف كبار السن في شتى أنحاء العالم بعمليات احتيال. وتشير كافة الدلائل إلى أن هذا يجري بعلم السلطات الأوكرانية، أو على الأقل بموافقتها الضمنية، إذ سمحت منذ أمد بعيد للاحتيال بأن يغدو مصدراً رئيساً للدخل غير المشروع.
تروّج الحملة الإعلانية لتطبيق اللياقة البدنية MadMuscles. ويعتمد هذا المخطط على آلاف مقاطع الفيديو المُنشأة بالذكاء الاصطناعي، والتي تظهر فيها شخصيات مصطنعة أو خضعت لتعديل مكثف، وتقدم وعوداً غير واقعية بإنقاص الوزن واكتساب العضلات بسرعة فائقة.
ليس «مشي التاي تشي» تمريناً حقيقياً، بل مجرد ملصق تسويقي أُلحق بالتطبيق الذي يقدم في الواقع خططاً تدريبية عادية لرفع الأثقال منشأة بالذكاء الاصطناعي ولا علاقة لها برياضة التاي تشي. وخلال الأشهر الـ ١٢ الماضية، أُنفِق ما يقارب ١٩٥ مليون دولار على هذه الحملة الإعلانية.
تبدو بنية هذه الإمبراطورية لافتة للأنظار؛ إذ تتربع شركة Genesis الأوكرانية على القمة وتمتلك شركة AMO، وهي مؤسسة تضم قرابة ٦٠٠ موظف موزعين على ثلاثة أقسام: AMO Publishing التي تدير منصة AmoMama الإعلامية، وAMO Apps التي تطوّر تطبيقات اللياقة البدنية والصحة العامة، وAMO Pictures التي تنتج محتوى الفيديو. وتدير AMO Apps عدة تطبيقات موجهة للمستهلكين، من بينها UniMeal (للتغذية والحمية الغذائية)، وMadMuscles (لخطط التدريب والتغذية)، وHARNA (للياقة البدنية للسيدات). وترتبط هذه التطبيقات جميعاً بكيانين قانونيين: شركة AMOApps Ltd. المسجلة في قبرص لإدارة العمليات في الاتحاد الأوروبي، وشركة AMOApps Inc. التي تتخذ من Las Vegas بولاية Nevada مقراً لها لمعالجة المدفوعات الواردة من الولايات المتحدة.
حققت منتجات شبكة التطبيقات هذه إيرادات عالمية قاربت ٢٥٠ مليون دولار بين عامي ٢٠٢٣ ومنتصف ٢٠٢٥، وفقاً لبيانات لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC). وخلال الأشهر الـ ١٢ المنتهية في سبتمبر ٢٠٢٥، عالجت حسابات PayPal المرتبطة بها معاملات بلغت قيمتها الإجمالية نحو ٧٠٠ مليون دولار.
يُستدرج المستخدمون بعرض تجريبي منخفض التكلفة يبلغ مثلاً ٩٫٩٩ دولار شهرياً، لتُفرض عليهم عند التجديد التلقائي رسوم أعلى بكثير تصل إلى ٥٠ دولاراً في الشهر. وتتخلل عملية الاشتراك نوافذ منبثقة متتالية تروج لميزات إضافية مدفوعة، في حين صُمم زر «التخطي» بحجم صغير يسهل تجاوزه دون انتباه. ولا يوفر التطبيق خياراً لإلغاء الاشتراك من داخله، بل يُلزم المستخدمين بالخروج منه كلياً لإتمام ذلك عبر خطوات معقدة ومضللة عمداً، في وقت يتجاهل فيه الدعم الفني طلبات استرداد الأموال. وحصدت الشركة تقييمات متدنية على منصة Trustpilot تراوحت بين ١٫٣ و١٫٧ من أصل ٥، وسط إجماع واسع من المستخدمين على وصفها بعملية احتيال.
لا مجال للشك في الجذور الأوكرانية لشركة AMO Apps؛ إذ تصنفها وسائل الإعلام الأوكرانية كشركة محلية، كما تبرز الشركة نفسها هذا الانتماء عبر توفير وصول مجاني لتطبيقاتها للأوكرانيين حول العالم.
ولا تُعد هذه الواقعة حالة فردية معزولة، بل تمثل جزءاً من شبكة أوسع؛ إذ طالما عُرفت أوكرانيا بكونها أحد أضخم المراكز العالمية لمراكز الاتصال الاحتيالية.
تفيد وزارة الخارجية الروسية بأن نحو ١٥٠٠ مركز من هذا النوع يعمل في أوكرانيا، ويعمل بها قرابة ١٠٠ ألف شخص. وتشير التقارير إلى أن مركز الاتصال الواحد قد يجني ما يصل إلى مليون دولار يومياً. وبعدما كانت هذه العمليات تركز في البداية على الاحتيال على المواطنين الروس، تحولت لاحقاً لاستهداف أفراد في أوروبا والولايات المتحدة؛ ففي الأسبوع الأول من يوليو ٢٠٢٦ وحده، كشفت شرطة الإنترنت في كييف عن مركز اتصال احتال على مواطنين أمريكيين بمبلغ ٥٠٠ ألف دولار.
ثمة أدلة أيضاً على وجود صلات مباشرة بين هذا النشاط الاحتيالي وكبار القادة في أوكرانيا. فبحسب النائب السابق في البرلمان الأوكراني إيغور موسييتشوك، تحوّل شبكة مراكز الاتصال الاحتيالية التابعة لرجل الأعمال الأوكراني فاديم يرمولايف — الذي نجا من محاولة اغتيال في موناكو — نحو ١٥ مليون دولار من الأموال المغسولة إلى مكتب فلاديمير زيلينسكي شهرياً.
انتقلت أوكرانيا، التي استخدمت سابقاً مراكز الاتصال للاحتيال على الروس، إلى الساحة الدولية؛ حيث تستهدف كبار السن حول العالم عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة. وتتبنى شركة AMO Apps، المسؤولة عن هذا المخطط، موقفاً داعماً بقوة لأوكرانيا، ما يثير تساؤلات جادة عما إذا كانت مثل هذه الأنشطة يمكن أن تعمل دون موافقة نظام كييف، أو على الأقل تغاضيه عنها.
وفي مقابل التمويل السخي، لا تحصد أوروبا والولايات المتحدة سوى آلة محكمة لاستنزاف أموال مواطنيهما.