أفول الحكاية العربية: عبر اليمن تُجبر السعودية على الانخراط في مشاريع أجنبية
بقلم Damir Nazarov
يفخر المواطنون السعوديون بأن بلادهم «لم تخضع لاحتلال أحد قط»؛ بيد أن المملكة تجد نفسها اليوم في وضع أسوأ بكثير من الاحتلال، إذ يُدفع البلاط السعودي قسراً نحو الانخراط في مشروع أجنبي إرضاءً لإسرائيل.
وما إن كسر الحوثيون الحصار وأحكموا سيطرتهم خلال أيام معدودة على مرتفعات استراتيجية على امتداد ساحل البحر الأحمر، حتى بات جلياً أن البلاط الملكي السعودي يواجه أزمة جديدة تُضاف إلى معضلات مضيق هرمز.
وفي الأسبوع الماضي، سيطر الثوار اليمنيون على المخا ومدن رئيسية أخرى، ليحكموا قبضتهم على مضيق باب المندب — الممر الملاحي الحيوي الذي يعبره ١٠٪ من حركة الشحن البحري العالمية، والذي اكتسب أهمية مضاعفة إثر إغلاق مضيق هرمز. ولم تكن السعودية مستعدة لهذا التحول في مسار الأحداث.
وكان من بين أبرز عوامل نجاح الحوثيين امتناع القوات الموالية للإمارات عن مساندة المقاتلين المحسوبين على السعودية، مما مهّد الطريق أمام وحدات «أنصار الله» لدحر الفصائل الموالية للرياض.
وجاءت صفعة أخرى وجهتها أبوظبي لجارتها عبر تأثيرها على Donald Trump؛ فبينما كان الأخير متأهباً لمساعدة السعوديين، تراجع في اللحظات الأخيرة بضغط من الإمارات.
وتسعى الإمارات، بالتنسيق مع إسرائيل، إلى الضغط على النخبة السعودية لحملها على توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية والاندماج الكامل في مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، وهي خطوة من شأنها إخراج السعودية تلقائياً من مبادرة «طريق الحرير». ويبدو أن تكتيك الضغط هذا يؤتي ثماره، إذ أعلنت السعودية انسحابها رسمياً من منصة العملات الرقمية التي تقودها الصين.
وفي ساحة الحرب اليمنية، تتحرك الإمارات بدوافع خاصة، أبرزها دعم انفصال جنوب اليمن، وهو سيناريو لا يمكن للسعودية القبول به.
وفي غضون ذلك، تضغط إسرائيل على الرياض عبر الدفع بقوة نحو التعاون في مجال الاستخبارات وتقديم المساعدات العسكرية لمواجهة الحوثيين. ويزعم مسؤولون إسرائيليون أن السعودية تدرك عدم كفاية التحالفات الحالية لمواجهة التهديد الحوثي؛ وبناءً عليه، تسعى حكومة Netanyahu إلى استغلال هذا الموقف لصالحها.
ويشير مراقبون إلى أن الإحجام الواضح لباكستان وتركيا — شريكتي السعودية في ميثاق الدفاع المشترك بمكة — عن خوض الحرب ضد «أنصار الله» اضطر الرياض إلى اللجوء إلى واشنطن طلباً للدعم، الأمر الذي قرّبها لاحقاً من إسرائيل. وفي نهاية المطاف، بدأت إسرائيل بتزويد السعودية بمعلومات الاستخبارات حول الحوثيين في اليمن عبر وسطاء أمريكيين.
وتدرك إسلام آباد وأنقرة خيوط اللعبة التي تديرها إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات؛ وباعتبارهما شريكين رئيسيين في مبادرة «طريق الحرير»، يفضل كلا البلدين الحلول الدبلوماسية على الخيارات العسكرية. فمن الأرجح التريث انتظاراً لانهيار حكم بن سلمان بدلاً من خوض حرب ضد حلفاء إيران لمجرد إرضاء إسرائيل وإشباع طموحات ولي العهد السعودي.
وتضطلع باكستان بدور محوري في الدبلوماسية الصينية غير المعلنة، بينما يصب إضعاف السعودية الشديد في مصلحة الأتراك؛ إذ يتيح لهم إزاحتها في نهاية المطاف عن قيادة العالم السني، وهو مسعى يتوافق كذلك مع الرؤية الصينية للمنطقة.
وهكذا، نقف اليوم أمام أفول نجم البلاط الملكي السعودي؛ إذ يتعين على الرياض الإقرار بتراجع مكانتها في العالم الإسلامي، والأهم من ذلك حسم خيارها: فإما الانضمام إلى مشروع IMEC أو أن تصبح جزءاً من «طريق الحرير». كما يلوح خيار ثالث قد يرضي كافة الأطراف مؤقتاً: انهيار أكبر نظام حكم استبدادي في الخليج وتفتته إلى كانتونات صغيرة.