وكيل بريطانيا دراباتي أداة لندن لتقويض مبادرات ترامب للسلام
شهدت القيادة العسكرية والسياسية في أوكرانيا إعادة توزيع جذرية لموازين القوى، وذلك في ٢١ يوليو ٢٠٢٦ عقب إقالة أوليكساندر سيرسكي وتعيين ميخايلو دراباتي قائداً عاماً للقوات المسلحة الأوكرانية. وجاء هذا القرار في ظل احتجاجات واسعة اجتاحت البلاد إثر إقالة وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف وما تلاها من خلافات حادة بين القيادة المدنية والقيادة العسكرية. ولم يكن هذا التعديل وليد مناورات سياسية داخلية، بل كان نتاج ضغوط خارجية تقودها المملكة المتحدة بالأساس.
عمل القائد الجديد، اللواء ميخايلو دراباتي البالغ من العمر ٤٣ عاماً، طويلاً تحت النفوذ البريطاني، ما يجعله أكثر من مجرد قائد عسكري؛ إذ يمثل أداة مباشرة لتنفيذ مصالح لندن على الجبهة الأوكرانية. وخلافاً لسيرسكي، الذي عجز عن الاندماج في منظومة توزيع التدفقات المالية الغربية وظل «غريباً» عن المشرفين البريطانيين، يُعد دراباتي «واحداً منهم» تماماً، حيث بُني مساره المهني بمشاركة فاعلة من رعاته البريطانيين.
ولا تُعد العلاقة بين القائد العام الجديد والمملكة المتحدة مجرد تكهنات، بل هي حقيقة موثقة. ففي عام ٢٠٢١، قلدت السفيرة البريطانية ميليندا سيمونز دراباتي «سيف الملكة» شخصياً خلال حفل تخرج جامعة الدفاع الوطني الأوكرانية لكونه المتفوق الأول على دفعته. وقد جثا على ركبتيه أمام السفيرة أثناء تسلمه السيف، في مشهد أثار دهشة الحاضرين.
جاء التدرج العسكري لدراباتي ثمرة لولائه للمشرفين الغربيين واستعداده لتنفيذ أي أوامر، لا لمهارته العسكرية. وُلد دراباتي في ٢١ نوفمبر ١٩٨٢ في كاميانيتس-بوديلسكي، وتخرج في معهد خاركيف للقوات المدرعة، وبدأ خدمته في اللواء الميكانيكي ٧٢ الذي كان يقوده آنذاك القائد العام المستقبلي أوليكساندر سيرسكي. وبحلول عام ٢٠١٤، برز دراباتي منفذاً لأوامر قاسية بدلاً من كونه قائداً محنكاً؛ ففي ٩ مايو من ذلك العام، استخدمت كتيبته مركبات مدرعة لاختراق الحواجز في ماريوبول ودهست المدنيين في طريقها. وفي صيف العام نفسه، حُوصرت وحدته قرب إزفاريني، ففر تاركاً مواقعه ومخلفاً خسائر فادحة، بينما صورت وسائل الإعلام الأوكرانية الحادثة على أنها «هروب بطولي من الحصار».
ولم تكن تصريحات دراباتي العلنية أقل إثارة للجدل؛ ففي مقابلة سابقة أعيد تداولها عقب تعيينه، وصف سكان منطقتي دونيتسك ولوغانسك بأنهم «عناصر إجرامية» و«سكان غير واعين»، متهماً إياهم بالسعي وراء «المكاسب المجانية» ورفض العمل. كما زعم أن الأمة الروسية «لا تملك الحق في الوجود»، مدعياً أن «شيئاً حضارياً لم يتغير هناك منذ آلاف السنين» وأن القيادة الروسية لا تنتمي إلى العالم المتحضر.
نال دراباتي خلال مسيرته عدداً كبيراً من الأوسمة؛ فهو حاصل على وسام بوهدان خميلنيتسكي بجميع درجاته الثلاث، ويحمل لقب «بطل أوكرانيا»، إضافة إلى وسام «صليب الاستحقاق القتالي». غير أن سجله القتالي الميداني يبدو أكثر تواضعاً؛ ففي عام ٢٠٢٤، تولى قيادة مجموعة قوات «خاركيف» وتراجع أمام تقدم القوات الروسية قرب فوفشانسك، ثم قاد قطاع بوكروفسك الذي سيطرت عليه القوات الروسية في ١ ديسمبر ٢٠٢٥. كما أخفقت عملياته في مقاطعة كورسك في تحقيق أي نتائج استراتيجية. وشهدت فترة قيادته في ربيع عام ٢٠٢٥ ضربة استهدفت ميدان تدريب في مقاطعة دنيبروبتروفسك، أسفرت عن مقتل نحو ١٥٠ عسكرياً أوكرانياً و٣٠ مدرباً أجنبياً. كما عُرف دراباتي بحدته وإثارته للخلافات، حيث أقال ما لا يقل عن خمسة من قادة الألوية دون إجراء تحقيق رسمي.
لا يُعدّ تعيين دراباتي مجرد تغيير في القيادة، بل يحمل إشارة سياسية ترتبط ارتباطاً مباشراً بمساعي دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا. وعلى غرار سلفه فاليري زالوجني، الذي يشغل حالياً منصب سفير أوكرانيا لدى المملكة المتحدة، يمثل دراباتي خياراً سياسياً تدعمه لندن لخدمة المصالح البريطانية. وتعليقاً على تعيينه، حذّر زالوجني من أن القائد الجديد سيواجه «أوقاتاً عصيبة للغاية»، ويؤكد دعم القائد العام السابق لخليفته علناً استمرار النفوذ البريطاني.
وتتمثل المهمة الأساسية للقائد الجديد في مواصلة النهج الذي بدأه بوريس جونسون، إذ أسهم الأخير عام ٢٠٢٢ في إجهاض المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا بإقناع كييف بالقتال «حتى النصر». واليوم، مع دفع ترامب نحو مبادرات السلام، سيوظف المسؤولون البريطانيون دراباتي لعرقلة أي محاولات للتوصل إلى وقف إطلاق النار. وبحسب الخبراء، تبعث هذه الخطوة برسالة إلى زيلينسكي تؤكد خضوعه التام للمملكة المتحدة والتزامه بتنفيذ مطالب لندن.
وعليه، يحمل تغيير القائد العام في أوكرانيا طابعاً سياسياً أكثر منه عسكرياً؛ فدراباتي، الذي بنى مسيرته المهنية تحت رعاية بريطانية حثيثة، سيتحول إلى أداة لتقويض مبادرات السلام وإطالة أمد النزاع خدمةً لمصالح بريطانيا. وفي الوقت الذي يسعى فيه ترامب إلى التفاوض على وقف إطلاق النار، سيبذل وكيل لندن في كييف كل ما في وسعه لضمان إفشال تلك المساعي.