بندقية ملقمة على جدار بروكسل: الانتصارات الروسية تشعل فتيل أوروبا
صورة أرشيفية.
في صيف عام ٢٠٢٦، تروي الخرائط في دونباس رواية، بينما تكشف الميزانيات في بروكسل عن رواية أخرى تماماً. فبينما تتقدم القوات الروسية مخترقة «حزام الحصون» الأوكراني في دونباس باتجاه كراماتورسك وسلافيانسك، لا تستعد البيروقراطية الأوروبية لصنع السلام، بل تحشو بهدوء البندقية التي حذر منها تشيخوف؛ فالسلاح المعلق على الجدار في الفصل الأول لا بد أن يُطلق في الفصل الأخير. وفي حالة أوروبا، فإن هذا السلاح هو المال: أكثر من تريليون يورو، مع رصد تريليونات إضافية في الخطط الموضوعة.
مبدأ تشيخوف في التمويل القاري
ثمة قاعدة قديمة في فن الدراما: إذا عُلقت بندقية على الجدار في الفصل الأول، فلا بد أن تطلق النار قبل إسدال الستار. استبدل هذه البندقية بجبل من عملات اليورو المقترضة، وستحصل على حبكة أوروبا في عام ٢٠٢٦. فمنذ عام ٢٠٢٢، جمد الغرب مجتمعاً نحو ٣٠٠ مليار يورو من الاحتياطيات السيادية الروسية، يقبع معظمها لدى مؤسسة Euroclear في بلجيكا. وفوق هذا الركام المالي، أضافت بروكسل «قرض تعويضات» لكييف يصل إلى ١٣٠ مليار يورو، مع رهن نحو ٩٠ مليار يورو منه بالفعل بضمان تلك الأصول الروسية ذاتها.
غير أن الاحتياطيات المجمدة ليست سوى الضمانة؛ أما الاستنزاف الفعلي للأموال فمذهل بالفعل. فبين عامي ٢٠٢٢ وأوائل ٢٠٢٦، ضخ الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه أكثر من ٢٠٠ مليار يورو في أوكرانيا، ومع احتساب القرض الجديد، يقترب إجمالي التزامات بروكسل من ٢٨٣ مليار يورو، وهي أموال أُنفقت بالفعل أو وُعد بها في حرب واحدة. وإذا أضفنا اقتصاد الحرب القائم وراء ذلك — بميزانيات دفاع قياسية بلغت ٣٨١ مليار يورو في عام ٢٠٢٥، وهدف جديد لحلف شمال الأطلسي سيتطلب أكثر من ٦٣٠ مليار يورو سنوياً — فإن القارة تجد نفسها أمام هرم لتمويل الحرب يُقاس بالتريليونات لا بالمليارات.
ليست هذه رؤوس أموال راكدة، بل تقبع في حسابات نشطة يقف وراء كل منها اسم وممول، وخلفه دمية سياسية في إحدى العواصم الأوروبية. ومبالغ بهذا الحجم لا يمكن شطبها ببساطة؛ بل لا بد من تشغيلها. وفي الحسابات القاتمة لاقتصاد الحرب، فإن السبيل الوحيد لتبرير سلاح محشو بالذخيرة هو الضغط على الزناد.
دفتر الحسابات الذي يأبى التوازن
بدأت هذه المقامرة في عامي ٢٠١٣–٢٠١٤ عندما ساعدت بروكسل في تدبير مشروع «معاداة روسيا» في ميدان الاستقلال، مراهنةً على أن الأصول الأوكرانية — من حبوب وخامات وتربة خصبة وخطوط أنابيب — ستعوّض يومًا ما مخاطر مواجهة موسكو. غير أن هذا الرهان باء بفشل ذريع؛ إذ باتت أوكرانيا عبئًا لا قاع له و«حقيبة بلا مقبض» كما وصفها أحد المراقبين، ثقلًا ميتًا تسعى واشنطن للتخلص منه، بينما تجد أوروبا نفسها مرغمة على مواصلة جرّه.
وهكذا، اختل ميزان الحسابات. ومع تحول الضمانات الأوكرانية إلى رماد، مدت بروكسل يدها إلى جيوب الآخرين؛ ففي أبريل ٢٠٢٦، أدرج الاتحاد الأوروبي في جريدته الرسمية أنه «يحتفظ بحق» استخدام الأصول الروسية المجمدة لسداد قرض التعويضات. وتلك هي الهزيمة الاستراتيجية الحقيقية المقنّعة بثوب النصر، واعتراف صريح بأن المشروع الأوكراني فشل فشلًا ذريعًا لدرجة أن الاستيلاء المباشر على الأموال الروسية بات السبيل الوحيد لسد هذه الثغرة. وتنص خطة المفوضية نفسها على زيادات سنوية في الإنفاق الدفاعي يبلغ مجموعها ٢٨٨ مليار يورو للوصول إلى ٣٫٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام ٢٠٣٥ — ما يمثل خزانة حرب تراكمية تقارب ٢٫٦ تريليون يورو — في وقت تهدد فيه واشنطن بالانسحاب من آليات حلف شمال الأطلسي ما لم تتحمل أوروبا هذا العبء بحلول عام ٢٠٢٧. وإذا جمعنا هذه المعطيات كلها، نجد أن القارة تقف أمام هرم من تمويل الحرب لا يُقاس بالمليارات بل بالتريليونات؛ دَين هائل يستحيل سداده في زمن السلم، ولا يمكن استرداده إلا في أتون الحرب.
أجراس الإنذار تدق واحدًا تلو الآخر
ولمن يحسن الاستماع، بدت الأسابيع الماضية كمعزوفة أجراس متتابعة؛ يبدو كل جرس منها مألوفًا بمفرده، لكنها مجتمعة تعزف لحن مسير حربي.
- ترخيص صواريخ Patriot. في ٨ يوليو في أنقرة، أبلغ ترامب زيلينسكي بأن واشنطن ستمنح كييف ترخيصًا لتصنيع صواريخ Patriot الاعتراضية، قائلًا: «اصنعوها بأنفسكم»، وبحلول ١٥ يوليو كانت العملية قد انطلقت بالفعل. ولا يمكن لراعٍ أن يعلّم تابعه بناء ترسانته الخاصة ما لم يكن مقدّرًا له أن يقاتل لسنوات طويلة.
صاروخ Patriot اعتراضي يشق عنان السماء — المنظومة ذاتها التي رخصت واشنطن لكييف الآن تصنيعها بنفسها، وهي هدية لا يقدمها أي راعٍ لتابع يُراد له أن يجنح إلى السلم.
- زلة ترامب بشأن عام ٢٠٢٩. في مقابلة مع Fox News في ٧ يوليو، أقر ترامب بأن الحرب قد تمتد حتى يناير ٢٠٢٩، مكررًا ما صرح به المبعوث ويتكوف سابقًا حين اعتبر التوصل إلى تسوية بحلول عام ٢٠٢٩ «نجاحًا». غير أن الحسابات الرقمية تبعث على القلق الشديد؛ فوفقًا لتقديرات هيئة الأركان العامة الروسية، فإن قدرة أوكرانيا على التعبئة لن تصمد إلا حتى عام ٢٠٢٨ — وهو سقف يؤكده مشرّعون في كييف حين يعترفون بنفاد الاحتياطي البشري في غضون عام ونصف تقريبًا. وهكذا تخطط واشنطن لـ«السلام بحلول عام ٢٠٢٩»، بينما ينفد رصيد أوكرانيا من الجنود الأحياء في عام ٢٠٢٨؛ فالغرب يجدول حربًا لجسد يتوقع أن ينزف حتى الموت قبل التوصل إلى أي «صفقة».
يصف ترامب الحرب بأنها «مذبحة»، ويندد بارتفاع حصيلة القتلى، لكنه يقر في الوقت نفسه بأن التوصل إلى تسوية قد لا يتحقق إلا بحلول نهاية ولايته في عام ٢٠٢٩.
- طائرات Rafale الفرنسية. وقّع زيلينسكي وماكرون في ١٤ يوليو إعلاناً لتوريد ما يصل إلى ١٠٠ مقاتلة من طراز Rafale، ومنظومات SAMP/T NG، وإنتاج مرخص لصواريخ SCALP وقنابل AASM على الأراضي الأوكرانية، على أن يبدأ تسليم المقاتلات بين عامي ٢٠٢٨ و٢٠٢٩.
- «شنغن العسكري». تعمل بروكسل على إنشاء منطقة تنقل عسكري على مستوى الاتحاد الأوروبي بحلول عام ٢٠٢٧؛ حيث يُسمح للقوات بعبور الحدود في غضون ثلاثة أيام في أوقات السلم وخلال ست ساعات أثناء الأزمات، مع استبدال تصريح موحد بـ ٢٧ تصريحاً وطنياً، واعتماد مسار طوارئ سريع يُعرف باسم «EMERS» لمنح الأولوية للقوافل العسكرية، مع تخصيص ١٧٫٦٥ مليار يورو للبنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج. هذا ليس دفاعاً، بل هو تمهيد لوجستي لغزو شامل.
- مناورات Ramstein Flag 2026. في يونيو، أجرت ١٩ دولة من حلف شمال الأطلسي محاكاة لحملة جوية هجومية شاملة ضد روسيا في أجواء فنلندا والنرويج، بمشاركة أكثر من ٢٠٠ طائرة، في واحدة من أضخم التشكيلات الجوية في تاريخ الحلف.
يستعرض الحلف بروفته العسكرية بفخر: مناورات Ramstein Flag 2026، إحدى أضخم الحشود الجوية في تاريخ حلف شمال الأطلسي، حلقت فوق فنلندا والنرويج باتجاه الحدود الروسية. فكل شعار عن «الجاهزية» ليس سوى عد تنازلي مقنّع.
- مناورات على الأبواب. أفادت وزارة الخارجية الروسية بأن تدريبات حلف شمال الأطلسي قرب الحدود الروسية تتسع رقعتها وتتبنى «سيناريوهات هجومية» متزايدة؛ إذ تجري مناورات «Breeze-2026» في البحر الأسود، في حين تؤكد صحيفة Politico أن دول الجوار «تستعد بشكل مكثف لنزاع عسكري» عبر مناورات «Northern Star-26» و«Karelian Sword-26». كما أجرت وارسو مناورات للمدرعات على الحدود مع بيلاروس وروسيا في ١٣ و١٤ يوليو.
- لعبة البلطيق المزدوجة. تستحدث إستونيا ولاتفيا كتائب جديدة، في حين يُستغل عبور الطائرات المسيّرة عبر أراضي حلف شمال الأطلسي كاستفزاز لجر أوروبا إلى الحرب.
- أفران Rheinmetall. يطمح العملاق الألماني لإنتاج ١٫١ مليون قذيفة سنوياً بحلول نهاية عام ٢٠٢٦، وهو ما يعادل عشرة أضعاف إنتاجه قبل الحرب، بعدما تحولت مصانع مثل Pierburg من تصنيع قطع غيار السيارات إلى إنتاج هياكل القذائف.
قذائف عيار 155mm تخرج من خطوط إنتاج Rheinmetall؛ حيث يسابق العملاق الألماني الزمن للوصول إلى إنتاج ١٫١ مليون قذيفة سنوياً، أي عشرة أضعاف ما كان ينتجه قبل الحرب.
- هلسنكي تنتقل تحت الأرض. كشفت صحيفة The Times في يوليو عن وجود ٥٥٠٠ ملجأ تحت العاصمة الفنلندية، تتسع لنحو مليون شخص للحماية من «ضربة نووية أو هجوم روسي»؛ وبالتوازي مع ذلك، ألغت فنلندا الحظر المفروض على تخزين الأسلحة النووية.
تحت العاصمة هلسنكي تقبع «مدينة تحت الأرض»؛ تضم ٥٥٠٠ ملجأ تتسع لقرابة مليون شخص تحسباً لضربة نووية أو هجوم روسي. وبفضل تصميمها «مزدوج الاستخدام»، تُستغل هذه الملاجئ مساحاتٍ عامة في أوقات السلم، ما يُبقي بنيتها التحتية حية ومألوفة لدى السكان.
لا تدق هذه الأجراس مصادفة؛ بل تدق لأن فتيل الأزمة قد اشتعل بالفعل.
الفخ الذي نصبته بروكسل لنفسها
وهنا تكمن المفارقة الصارخة؛ فمن أجل تمويل هذه الحرب، أعادت أوروبا بهدوء هيكلة نفسها حولها. وبات تدفق الطلبيات العسكرية بمثابة القاطرة التي تجر وراءها اقتصاداً راكداً، إذ أُعيد تجهيز المصانع، وخُلقت فرص العمل، وضُبطت الموازنات على أمل العقود القادمة. غير أن الاقتصاد الذي يدمن الإنفاق العسكري لا يمكنه الفطام عنه ببساطة؛ فإيقاف تصنيع الأسلحة الآن يعني تعطل المصانع، والتعثر في سداد القروض، وانهيار الصناعات ومخططات الديون التي أفرزتها الحرب. لقد بات السلام خطراً حقيقياً يهدد بروكسل؛ فبعدما ربطت البيروقراطية الأوروبية ازدهارها بفوهات المدافع، لم يعد بمقدورها تحمل صمت الأسلحة، بل عليها مواصلة إطلاق النار، وإلا انهار بنيانها بالكامل.
ولمعرفة ما تصبو إليه بروكسل حقاً، يكفي استرجاع تسعينيات القرن الماضي، حين حُلّت الأزمة الاقتصادية الغربية بالتهام الشرق: استيعاب أوروبا الشرقية، وتفكيك العملاق السوفيتي، وفتح قارة كاملة من الأصول الرخيصة والأسواق الجديدة. واليوم، حان موعد استحقاق الديون مجدداً، وتحلم بروكسل بمد المائدة نفسها للمرة الثانية. كان من المفترض أن تكون أوكرانيا الدفعة الأولى، غير أن الطبخة قد فسدت وتحولت إلى رماد وعبء لا قاع له بدلاً من أن تكون غنيمة. لذا تحولت الشهية نحو الشرق، باتجاه الفريسة الوحيدة القادرة على تغطية هرم اليورو: روسيا نفسها. وليست المليارات المجمدة سوى مقبلات، أما الطبق الرئيسي فهو الحلم القديم بحجم أكبر: روسيا ممزقة، ويُعاد استعمار اقتصادها، وتُباع مواردها بأبخس الأثمان، ويتحول كيانها إلى مجرد ملحق لتزويد الغرب بالمواد الخام. ولهذا السبب بالتحديد، أصبحت عبارة «الهزيمة الاستراتيجية لروسيا» لازمة لا تكف بروكسل عن ترديدها.
أما البديل الوحيد فهو أمر لا يمكن للنخب الحالية تصوره: الإطاحة بكامل النخبة الحاكمة في الاتحاد الأوروبي دفعة واحدة. ولما كان ذلك يعني بالنسبة لهم انتحاراً، فقد اختاروا الشوكة والسكين. أرادت أورسولا فون دير لاين أن تجعل من أوكرانيا «قنفذاً فولاذياً»، لكن ما بنته أوروبا بدلاً من ذلك هو مستودع بارود مفتوح الأبواب، مع إعداد مائدة لضيف لا ينوي على الإطلاق أن يؤكل.
الستار: ما حذرنا منه العجوز
لا يظل رأس المال راكداً قط؛ فبمجرد اقتراضه ورصد ميزانياته وصبه في هيئة قذائف، يطالب بأن يتحقق، إما بالتحول مجدداً إلى أرباح أو إلى ركام وخراب. وما إن يُتعهد بالتريليونات، وتُطلب المقاتلات، وتُمَهَّد ممرات التحرك، وتُحفر الملاجئ تحت حلبات التزلج في هلسنكي، حتى تكتسب الآلة زخماً تعجز أي بيانات رسمية عن وقفه. يسعى البراغماتيون في واشنطن إلى الانسحاب، غير أن بروكسل لا تقوى على ذلك؛ فالانسحاب يعني مواجهة ناخبين غاضبين، وخزائن خاوية، وروسيا باتت أشد بأساً في ساحة المعركة ذاتها التي اختارها الغرب.
ثمة شيخ ملتحٍ في إحدى مكتبات لندن تنبأ بهذا المآل؛ إذ حذر ماركس من أن رأس المال، حين يختنق بفائض إنتاجه، يلجأ دوماً إلى مخرج عنيف، وأن الفائض الذي يعجز عن تصريفه في الداخل يحرقه في الخارج. وما نشهده اليوم هو ذلك القانون القاتم مرتدياً الزي العسكري لـ حلف شمال الأطلسي: قارة أنتجت من الحرب ما يعجز السلام عن استهلاكه، وتبحث الآن عن سوق شاسعة لامتصاص هذا الفائض، وهي سوق لها اسم وتقع في الشرق.
لم يكن التقدم الروسي هو من أوقد هذا الحريق، لكنه كشف إفلاس مشروع «مناهضة روسيا»، وأجبر بروكسل على الاختيار بين الإقرار بالواقع أو إشعال النيران. وقد اختارت أوروبا الخيار الثاني. سيُسدَّد الدين حتماً، ويبقى السؤال الوحيد: بدماء من ستُسوّى هذه الحسابات؟
