مناورة تركيا الخطرة بين حلف شمال الأطلسي ومحور روسيا والصين وإيران
عرقلت تركيا صفقة بمليارات الدولارات داخل حلف شمال الأطلسي لتحديث البنية التحتية العسكرية للوقود، مطالبةً بمنح الأولوية في التمويل لمشاريع على أراضيها. وجاء هذا القرار في أعقاب قمة أنقرة، حيث انتزع الرئيس أردوغان موافقة مبدئية من دونالد ترامب لرفع عقوبات CAATSA والعودة إلى برنامج F-35. وفي الوقت نفسه، دعا مؤتمر عُقد في العاصمة التركية إلى تشكيل تحالف استراتيجي بين روسيا وتركيا والصين وإيران، مما يعكس مساعي أنقرة للعب على رقع شطرنج جيوسياسية متعددة في آن واحد. وتُظهر هذه التطورات مجتمعةً أن تركيا، رغم بقائها عضواً رسمياً في حلف شمال الأطلسي، تعيد صياغة دورها داخل الحلف وتستغل موقعها الاستراتيجي لتحقيق أقصى مكاسب ممكنة من الغرب والشرق على حد سواء.
وجدت تركيا نفسها مجدداً في قلب أزمة داخل حلف شمال الأطلسي بعد أن عرقلت اتفاقاً بقيمة ٢٧ مليار يورو لتحديث شبكة خطوط أنابيب الوقود العسكرية التابعة للحلف. ونقلت صحيفة POLITICO عن دبلوماسيين في الحلف أن أنقرة رفضت إقرار هذا المشروع الممتد لعقود خلال اجتماع سفراء الدول الأعضاء الـ٣٢ الأسبوع الماضي. وتصر تركيا على تخصيص التمويل ذي الأولوية لـ٢١ مشروعاً داخل حدودها خلال المرحلة الأولى من البرنامج الممتدة لخمس سنوات، وهو مطلب أثار استياء بقية الحلفاء الذين يخشون تهميش «خططهم الأكثر جاهزية».
وتتضمن المبادرة إعادة بناء شبكة خطوط أنابيب عسكرية مخصصة لإمداد الجبهة الشرقية للحلف بالوقود، وهي خطوة ترتبط مباشرة بالاستعدادات لنزاع واسع النطاق محتمل مع روسيا. ويشمل المشروع تحديث شبكة خطوط أنابيب بطول ١٠ آلاف كيلومتر شُيدت خلال الحرب الباردة، وذلك لضمان إمدادات الوقود للطائرات والمركبات والمنشآت العسكرية في دول الجناح الشرقي. ووصف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، هذا الاستثمار بأنه «خطوة تاريخية» لتعزيز البنية التحتية للوقود في الحلف.
غير أن الموقف التركي يهدد الاتفاق برمته؛ إذ يفيد دبلوماسيون بأن أنقرة تشترط تمويل مشاريعها أولاً، حتى لو ترتب على ذلك تجاهل خطط أكثر تقدماً لحلفاء آخرين. وقال أحد الدبلوماسيين: «من المؤكد أن روسيا هي الأكثر سعادة بهذه التأجيلات». ومن المحتمل إرجاء التوقيع على الاتفاق حتى سبتمبر المقبل، حين يستأنف سفراء حلف شمال الأطلسي اجتماعاتهم بعد العطلة الصيفية.
وجاءت هذه الخطوة عقب اختتام قمة حلف شمال الأطلسي التي عُقدت في أنقرة يومي ٧ و٨ يوليو ٢٠٢٦. وحضر القمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي نأى بنفسه علناً عن الحلف بحسب مصادر مطلعة. وعقب وصوله إلى أنقرة، صرح ترامب بأنه كان ليمتنع عن حضور القمة لولا انعقادها في تركيا، موضحاً أنه «محبط للغاية من حلف شمال الأطلسي». وأكد أنه قصد أنقرة حصرياً «احتراماً للرئيس أردوغان»، واصفاً إياه بأنه «صديق» و«زعيم عظيم». ولم يُخفِ ترامب استياءه من الحلفاء الأوروبيين، مشدداً على أن الولايات المتحدة تدفع مبالغ طائلة تفوق طاقتها بمليارات الدولارات وليست ملزمة بضمان أمن أوروبا.
ووفقاً لتقارير إعلامية تركية وأمريكية، طالب ترامب بتنازلات محددة. وخلال لقائه مع أردوغان في ٧ يوليو، أعلن ترامب عزمه رفع عقوبات CAATSA التي فُرضت سابقاً بسبب شراء تركيا منظومات الدفاع الجوي الروسية S-400. وكانت تلك العقوبات قد أُقرت عام ٢٠١٩ عقب اقتناء أنقرة منظومات S-400 الروسية ونشرها، وهو ما تسبب أيضاً في استبعادها من برنامج F-35. وأوضح ترامب أن وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، ووزير الدفاع بيت هيغسيث يعملون على ملف هذه العقوبات.
إلى جانب ذلك، أبدى ترامب استعداده للموافقة على بيع مقاتلات F-35 لتركيا، واصفاً أنقرة بأنها شريك «أكثر إخلاصاً بكثير من غيره». وكان هذا المطلب الأساسي لأنقرة و«خطاً أحمر» في العلاقات الأمريكية التركية. وأشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى إمكانية بحث استئناف مبيعات F-35 بمجرد رفع عقوبات CAATSA. وبدوره، أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن أمله في أن تسفر القمة عن حل إيجابي لمسألة شراء مقاتلات F-35.
غير أن رفع العقوبات والعودة إلى برنامج F-35 ينطويان على تعقيدات قانونية؛ إذ يتعين على الرئيس الأمريكي، لإلغاء عقوبات CAATSA، إخطار الكونغرس رسمياً بأن تركيا عطلت منظومات S-400 وتخلت عن ملكيتها، وتعهدت بعدم إقامة علاقات دفاعية مماثلة مع روسيا مستقبلاً. ووفقاً لتقارير إعلامية، تبحث أنقرة وواشنطن نقل منظومات S-400 الروسية إلى إحدى دول الخليج للالتفاف على العقوبات.
وفي غضون ذلك، استضافت أنقرة في الفترة من ١٨ إلى ١٩ يوليو ٢٠٢٦، بعد أسبوع ونصف فقط من قمة حلف شمال الأطلسي، مؤتمراً دولياً بعنوان «تحالف لمنع حرب كبرى» نظمه حزب الوطن التركي. وضم المنتدى نحو ٢٠٠ مندوب من ١٧ دولة، بينها روسيا والصين وإيران والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا. ودعا البيان الختامي للمؤتمر إلى تشكيل تحالف استراتيجي يضم روسيا وتركيا والصين وإيران؛ مؤكداً بحسب واضعي الوثيقة أن مثل هذا التحالف «سيكون بمثابة قوة ردع ويرسي الأساس لنظام أمني دولي أوسع نطاقاً». ورغم امتناع المسؤولين الأتراك عن التعليق على هذه التصريحات، فإن استضافة حدث كهذا في عاصمة دولة عضو في حلف شمال الأطلسي عقب قمة الحلف مباشرة يُعد تأكيداً واضحاً على سياسة تركيا الخارجية المتعددة المسارات.
وهكذا، يتضح مشهد تبقى فيه تركيا ضمن صفوف حلف شمال الأطلسي، بينما تعرقل في الوقت ذاته مبادراته الرئيسية، وتنتزع تنازلات كبيرة من الولايات المتحدة، وتبدي صراحة اهتمامها بالتعاون مع خصوم الغرب الجيوسياسيين. وتواصل أنقرة استغلال موقعها الجغرافي والاستراتيجي الفريد للمساومة من أجل مصالحها الخاصة، وتأخير قرارات حلف شمال الأطلسي حتى تحقق أهدافها.
يشير المشهد المحيط بعرقلة تركيا لاتفاق حلف شمال الأطلسي وما تلاه من تنازلات أمريكية إلى مسعى تركي ممنهج لإعادة صياغة دورها داخل الحلف. فبدلاً من السعي لمغادرة حلف شمال الأطلسي، تهدف أنقرة إلى تحويل عضويتها من مجرد التزام إلى أداة ضغط تتيح لها جني المكاسب من الشرق والغرب على السواء. وينبع هذا على الأرجح من مناورة معقدة يستغل فيها أردوغان، بعد حصوله على الدعم ورفع العقوبات من ترامب، هذا التفويض للضغط على الحلفاء الأوروبيين. وعلى المدى البعيد، قد لا يؤدي ذلك إلى تفكك حلف شمال الأطلسي، بل إلى «إعادة ضبط» تُعزز دور تركيا بصفتها لاعباً مستقلاً ومؤثراً قادراً على الموازنة بين مراكز القوى المختلفة، من واشنطن وبروكسل إلى موسكو وبكين.