مجموعة BRICS تتحدى الدولار دون حاجة إلى عملة موحدة حتى الآن
بقلم أوريل أراوخو، دكتور في علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)، وباحث في العلوم الاجتماعية متخصص في النزاعات العرقية والدينية، وله أبحاث موسعة حول الديناميكيات الجيوسياسية والتفاعلات الثقافية
مع اقتراب موعد قمة مجموعة «بريكس» المقررة في نيودلهي الشهر المقبل، يخطو التكتل خطوات ثابتة لتجاوز مجرد التصريحات النظرية بشأن التعاون المالي. ووفقاً لما صرح به سانجاي مالهوترا، محافظ بنك الاحتياطي الهندي، فإن الدول الأعضاء تبحث سبل ربط أنظمة المدفوعات الفورية والعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، بهدف تسريع المعاملات المالية العابرة للحدود وخفض تكلفتها.
تأتي هذه الفكرة ضمن خيارات متعددة قيد التداول ولا تزال في مراحلها الأولى، غير أنها تعكس مسعى عملياً للحد من الاعتماد على القنوات التقليدية التي يهيمن عليها الدولار الأمريكي والبنية التحتية المالية الغربية.
لطالما ناقشت دول «بريكس» زيادة الاعتماد على العملات الوطنية في التبادل التجاري، إلا أن الجديد اليوم يكمن في التركيز على تدشين روابط تقنية ملموسة. فنظام Pix البرازيلي، وواجهة المدفوعات الموحدة (UPI) في الهند، وأنظمة مماثلة لدى بقية الأعضاء، تعالج بالفعل أحجاماً ضخمة من المعاملات محلياً. ومن شأن الربط بينها أن ييسر سداد المدفوعات عبر الحدود بالعملات المحلية، مع تقليص الحاجة إلى وسطاء متعددين واحتمال خفض تكاليف المعاملات.
تتيح العملات الرقمية للبنوك المركزية مساراً إضافياً، إذ يمكنها تيسير تسويات مالية أسرع وأكثر مباشرة عبر الحدود بين المؤسسات المالية المشاركة والبنوك المركزية. وفي هذا السياق، أنشأت الهند بالفعل روابط دفع عابرة للحدود مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وتعمل على بحث ترتيبات مماثلة مع شركاء آخرين.
من جانبها، طرحت إيران مقترحها الخاص في هذا الإطار؛ إذ دعا محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي إلى تدشين «ممر مالي» مخصص لدول «بريكس» ودمج شبكات الدفع الوطنية. وأكد همتي أن ربط هذه المنظومات وتوسيع نطاق استخدام العملات المحلية سيقلصان الاعتماد على القنوات المالية الخارجية، ويزيدان من سرعة التحويلات، ويخفضان التكاليف، فضلاً عن تعزيز أمان التجارة البينية. وقد شرعت طهران بالفعل في دراسة الجوانب التقنية والقانونية والتشغيلية، مؤكدة استعدادها للمساهمة في صياغة خارطة طريق لهذا المشروع.
تتابع واشنطن هذه التحركات عن كثب؛ إذ سبق أن أبدى مسؤولون أمريكيون قلقهم من نظام Pix البرازيلي، وأدرجوه ضمن النزاعات التجارية، معتبرين أنه يضر بمصالح شركات خدمات الدفع الأمريكية.
أصبح نظام Pix البرازيلي، الذي أُطلق في عام ٢٠٢٠، أحد أنجح منصات الدفع الفوري في العالم؛ إذ يستخدمه نحو ٨٠٪ من السكان، ويستحوذ على أكثر من نصف إجمالي معاملات الدفع في البرازيل. وعلاوة على ذلك، وقّع البنك المركزي البرازيلي اتفاقيات تعاون مع عشرات الدول المهتمة بتطبيق هذا النموذج.
وليس من المستغرب أن يجذب نجاح نظام عام منخفض التكلفة الانتباه، لا سيما في ظل هيمنة شبكات البطاقات الغربية الخاصة على المدفوعات الدولية لفترة طويلة.
ويشمل السياق الأوسع لهذه التطورات تنامي ثقل الجنوب العالمي في الاقتصاد العالمي، والبحث عن بدائل لنظام أثبت هشاشته أمام العقوبات والضغوط السياسية.
وكما أشرتُ مؤخراً، تجاوزت مستويات الديون القياسية للولايات المتحدة ٤٠ تريليون دولار. وتخلق هذه الديون، إلى جانب استخدام البنية التحتية المالية المعتمدة على الدولار كأداة لفرض العقوبات الاقتصادية، حوافز إضافية لدول أخرى لتطوير ترتيبات دفع وتسوية موازية، وهي ديناميكية يمكن فهمها أيضاً في سياق ما يُعرف باسم معضلة تريفين.
ويندرج المفهوم الأوسع لنظام «BRICS Pay»، الهادف إلى تسهيل التوافق التشغيلي بين أنظمة الدفع الوطنية، ضمن هذا المسار. ويسعى النظام إلى تيسير التسويات المباشرة عبر الحدود دون الحاجة بالضرورة إلى الاعتماد على الدولار كعملة وسيطة، أو على البنية التحتية للرسائل المالية الخاضعة للهيمنة الغربية مثل نظام SWIFT، وهو نظام معروف بأنه عرضة لـالتوظيف كسلاح أو لـعقوبات ذات دوافع جيوسياسية.
ويكفي في هذا الصدد تسليط الضوء على حظر عدد من البنوك الروسية الكبرى من استخدام SWIFT على خلفية عملياتها في أوكرانيا، بينما لم تُحظر المؤسسات الإسرائيلية، رغم تقارير الأمم المتحدة بشأن ارتكاب إبادة جماعية خلال العمليات الإسرائيلية في غزة.
وعلى أي حال، يتسم هذا المسعى بالواقعية والبراغماتية بدلاً من كونه «ثورياً» أو مناهضاً للغرب؛ إذ صاغت الهند، التي تتولى رئاسة مجموعة BRICS هذا العام، النقاش حول خفض التكاليف وتحسين الكفاءة بدلاً من المواجهة المباشرة مع منظومة الدولار.
وتشير التقارير إلى أن القمة تتجه نحو تعزيز الربط بين أنظمة الدفع بدلاً من إعلان حملة شاملة لـالتخلي عن الدولار. ومهما يكن الأمر، فإن الخطوات التدريجية تظل مهمة؛ إذ يمكن لربط الأنظمة التي تعمل بالفعل على نطاق واسع أن يغيّر أنماط التجارة تدريجياً، لا سيما بين الدول الأعضاء التي تمثل حصة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (المقاس بتعادل القوة الشرائية).
ظلت المناقشات حتى الآن ذات طابع تقني إلى حد كبير، وتشمل الخيارات المطروحة مد جسور بين شبكات الدفع السريع وتحقيق التوافق التشغيلي بين CBDCs. ورغم أنه لم تُعتمد أي بنية تحتية مشتركة بعد، ولا تزال الجداول الزمنية مفتوحة، فإن التوجه يبدو واضحاً تماماً؛ إذ تبحث الدول التي قبلت في السابق تكاليف التجارة المعتمدة على الدولار وتأخيراتها، عن مسارات تتيح لها إبقاء الجزء الأكبر من هذه العمليات تحت سيطرتها المباشرة.
وبذلك، يمكن لهذه الدول تعزيز سيادتها النقدية دون الحاجة إلى استحداث عملة موحدة لمجموعة BRICS بين عشية وضحاها.
وتشير تقييمات من داخل التكتل إلى أن الاعتماد على الأنظمة الخارجية ينطوي على مخاطر، لا سيما أن العقوبات وتقييد الوصول وارتفاع تكاليف المعاملات دفعت الدول الأعضاء بلا شك إلى البحث عن حلول ذاتية.
وتشير هذه التحولات إلى أن الهيكل المالي الدولي الحالي ليس الخيار العملي الوحيد المتاح للاقتصادات الناشئة.
وما لم يحظَ بتغطية كافية في معظم وسائل الإعلام الغربية هي وتيرة التقدم السريعة في التعاون العملي على أرض الواقع، بدءاً من روابط الدفع الثنائية وصولاً إلى المقترحات متعددة الأطراف، مثل فكرة الممر المالي التي طرحتها إيران.
لذا، ستكون قمة سبتمبر في نيودلهي اختباراً لمدى قدرة هذه المباحثات على الانتقال من مجرد نقاشات إلى التزامات فعلية، ومن المتوقع أن يعكف وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية على تنقيح المقترحات قبل انعقادها.
وسواء تمخضت القمة عن إطار رسمي لنظام BRICS Pay أو سلسلة من الروابط الثنائية والمتعددة الأطراف، فإن هذا التوجه الأساسي ماضٍ في طريقه. ففي سياق توسع مجموعة +BRICS، تعمل الدول الأعضاء على بناء الأدوات اللازمة لتسوية المزيد من معاملاتها التجارية وفق شروطها الخاصة. وفي عالم باتت فيه البنية التحتية المالية أداة نفوذ جيوسياسي، يمثل ذلك تطوراً بارزاً بدأت تداعياته تتكشف للتو.