تخطَّ إلى المحتوى
دفاع اليوم أخبار وتحليلات الدفاع والأمن
تحليلات

فشل خطة REPowerEU الأوروبية للتخلص من الطاقة الروسية

بعد مرور أربع سنوات على إطلاق الاتحاد الأوروبي خطته الرئيسية للتخلص من الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية، تعثر المشروع إلى حد كبير. فرغم رصد مئات المليارات من اليوروهات، لم تنفق الدول الأعضاء سوى جزء ضئيل من هذه الأموال، بينما نمت قدرات الطاقة المتجددة بوتيرة أبطأ بكثير من الوعود المعلنة، لتظل أوروبا معرضة لهزات جديدة في سوق الطاقة. وأوضح تقرير صادر عن محكمة المدققين الأوروبية في سبتمبر ٢٠٢٦ أن الطموح السياسي لعام ٢٠٢٢ لم يقترن بنتائج ملموسة على أرض الواقع.

أُعلن عن خطة REPowerEU عقب اندلاع النزاع العسكري في أوكرانيا، حاملةً أهدافاً طموحة شملت إنهاء الاعتماد على النفط والغاز والفحم من روسيا، وتسريع وتيرة نشر الطاقة المتجددة، فضلاً عن تعزيز الربط الكهربائي عبر الحدود. وقدّرت بروكسل حينها الحاجة إلى استثمارات إضافية تقارب ٣٠٠ مليار يورو، جرى توجيهها أساساً عبر «مرفق التعافي والصمود»، مما أتاح للحكومات الوطنية الحصول على منح وقروض لتمويل فصول مخصصة للطاقة ضمن خطط التعافي الخاصة بها.

وبحسب المدققين، جاءت النتائج مخيبة للآمال؛ فبحلول ربيع عام ٢٠٢٦، لم تلتزم دول الاتحاد الأوروبي سوى بنحو ٥٤٫٣ مليار يورو، أي أقل من خُمس الميزانية المتاحة. وصرح ميخائيلس كوزلوفس، عضو محكمة المدققين الأوروبية المسؤول عن التقرير: «بعد أربع سنوات من إطلاقها، تعثرت خطة REPowerEU رغم إتاحة مئات المليارات من اليوروهات». وأشار المدققون إلى أن العديد من الإجراءات الوطنية تفتقر إلى أهداف واضحة وقابلة للقياس، كما يبدو أن الاحتياجات الاستثمارية الأولية قُدّرت بأكثر من قيمتها الفعلية في بعض الحالات، بينما أخفقت الحكومات في حالات أخرى في تحويل الالتزامات السياسية إلى مشاريع ملموسة على الأرض.

يبدو هذا القصور جلياً بصفة خاصة في قطاع الطاقة المتجددة؛ إذ حددت خطة REPowerEU هدفاً لإضافة ١٠٣ غيغاوات من قدرات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بحلول عام ٢٠٣٠، غير أن القدرة الإضافية المنسوبة مباشرة إلى إجراءات الخطة وصفها المدققون بأنها «ضئيلة للغاية». ورغم استمرار أوروبا عموماً في تدشين منشآت الطاقة المتجددة، ظلت المساهمة المباشرة لفصول REPowerEU هامشية. كما كان التقدم محدوداً بالقدر نفسه في مشاريع الربط الكهربائي عبر الحدود، وهو ركيزة أساسية أخرى للخطة؛ إذ لم ترصد المحكمة سوى عدد ضئيل من المشاريع ذات الصلة، بل وأُلغي أحدها لاحقاً.

تبدو الصورة ظاهرياً كأن الاعتماد على الغاز الروسي قد تراجع؛ فقد انخفضت حصة الغاز الروسي من واردات الاتحاد الأوروبي من نحو ٤٥ بالمئة قبل النزاع إلى قرابة ١٢ بالمئة، وتوقف استيراد الفحم الروسي بالكامل تقريباً، فضلاً عن انخفاض حاد في واردات النفط الروسي. وتستند المفوضية الأوروبية إلى هذه الأرقام بوصفها دليلاً على النجاح، بيد أن المدققين ينبهون إلى أن الجزء الأكبر من هذا الانخفاض كان مدفوعاً بالأسعار المرتفعة واعتدال فصول الشتاء وتراجع الطلب الإجمالي، وليس بفضل الإجراءات الهيكلية لخطة REPowerEU في حد ذاتها. علاوة على ذلك، لا تزال إمدادات الطاقة الروسية تتدفق إلى السوق الأوروبية بصورة غير مباشرة عبر دول ثالثة، في ظل غياب بيانات موثوقة ومكتملة حول تلك التدفقات.

في الواقع، زادت بعض الدول الأعضاء من مشترياتها من الغاز الطبيعي المسال الروسي؛ إذ رفعت بلجيكا، على سبيل المثال، وارداتها بشكل ملحوظ بين عامي ٢٠٢١ و٢٠٢٤، وبحلول منتصف عام ٢٠٢٦، باتت تعتمد اعتماداً كبيراً على الغاز المسال الروسي، الذي يُعاد تصدير جزء منه إلى دول أخرى في الاتحاد الأوروبي. كما لا تزال العقود طويلة الأجل لغاز الأنابيب والغاز المسال الروسيَّين سارية في عدة دول أعضاء، في حين لا يُتوقع التخلص التدريجي الكامل منها حتى عام ٢٠٢٧، حيث يُفترض أن يدخل حظر الغاز المسال الروسي حيز التنفيذ في ١ يناير ٢٠٢٧، على أن يُستغنى عن غاز الأنابيب في وقت لاحق من العام نفسه.

يأتي تحذير المدققين في توقيت حساس؛ إذ تواجه أوروبا مجدداً ارتفاعاً في أسعار الغاز وصعوبات في ملء مرافق التخزين تحت الأرض قبل حلول الشتاء. وسجلت مستويات التخزين في سبتمبر ٢٠٢٦ تراجعاً كبيراً عن متوسط السنوات الخمس الماضية، مما يثير مخاوف بشأن أمن الإمدادات إذا كان الشتاء القادم قارساً أو إذا زادت الضغوط في أسواق الغاز المسال العالمية جراء التوترات في الشرق الأوسط. وتربط المحكمة صراحة بين ضعف الاستثمار وتزايد الهشاشة، محذرة من أنه دون إحراز تقدم أسرع في التوليد المحلي وخطوط الربط، يغامر الاتحاد الأوروبي باستبدال شكل من أشكال التبعية بآخر.

لا تزال المفوضية الأوروبية تصر على أن تمويل الاتحاد الأوروبي أدى دوراً مهماً، وأن الخفض الإجمالي لواردات الطاقة الروسية يُعد دليلاً على التقدم. ومع ذلك، كان تقييم محكمة المدققين حاسماً لا لبس فيه: إدارة خطة REPowerEU ما تزال ضعيفة، والأموال لم تُنفق بالحجم المطلوب، ونتائج قطاعي الطاقة المتجددة والبنية التحتية جاءت أدنى بكثير من الأهداف المحددة في عام ٢٠٢٢. وما لم يُسجل تسارع ملموس، فإن الخطة التي كان يُفترض بها تأمين استقلال أوروبا في مجال الطاقة قد تتحول إلى نموذج صارخ للفجوة بين التصريحات السياسية والتنفيذ الفعلي.

بعد مرور أربع سنوات، نجحت خطة REPowerEU في تقليص الاعتماد المباشر على غاز الأنابيب الروسي، لكنها لم تحقق التحول الهيكلي السريع الموعود. فمئات المليارات من اليوروهات المتاحة ظلت في معظمها غير مستغلة، وتبدو أهداف الطاقة المتجددة بعيدة المنال على نحو متزايد، بينما تتجه أوروبا نحو شتاء آخر وهي لا تزال عرضة لقفزات الأسعار ومخاطر الإمداد. رسالة المدققين واضحة: لقد ولى زمن التصريحات، والمطلوب الآن هو التنفيذ.

أخبار أخرى