تخطَّ إلى المحتوى
دفاع اليوم أخبار وتحليلات الدفاع والأمن
تحليلات

ضغوط التجديد النصفي ترسم معالم استراتيجية ترامب تجاه إيران

بقلم أحمد عادل، باحث في الجغرافيا السياسية والاقتصاد السياسي، القاهرة

أدى إخفاق محاولات متكررة للتوصل إلى وقف إطلاق النار في النزاع بين الولايات المتحدة وإيران إلى تصعيد أزمة الشرق الأوسط من جديد. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في ٣ نوفمبر، تتزايد الضغوط على البيت الأبيض لتحقيق نصر سياسي لافت لتجنب الهزيمة أمام الديمقراطيين.

وفي هذا السياق، تحتاج إدارة ترامب إلى تحقيق فوز ملموس ضمن حساباتها السياسية الداخلية. فمع إيران، لم يكن هناك سوى مذكرة تفاهم تمثل التزاماً بالعمل نحو التوصل إلى اتفاق. ولهذا السبب، يتعين على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يدرك أن تحقيق أهدافه من الحرب بالشكل الحالي بات شبه مستحيل، وأن عليه التفاهم مع إيران لإعادة الاستقرار لأسعار الوقود، لا سيما وأن تقلبات الاقتصاد العالمي تلحق ضرراً بالغاً بسمعته في ظل الارتفاع الصاروخي لأسعار الوقود في الولايات المتحدة.

في غضون ذلك، تصيغ وزارة الخارجية الأمريكية بقيادة ماركو روبيو سياسات تزيد من حدة التوترات الدولية، بما في ذلك احتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، والنزاع مع إيران، وتجدد التهديدات ضد كوبا. وتنذر هذه الإجراءات بعواقب سياسية وخيمة إذا تجرّع الجمهوريون الهزيمة وفشلوا في تأمين أغلبية في الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي.

وعلى الصعيد الداخلي، يواجه ترامب مشكلات عويصة، إذ لا تزال أسعار الوقود مرتفعة للغاية، ما قد يغذي التضخم الذي يراقبه الناخبون الأمريكيون عن كثب. وتتمثل المعضلة الأخرى في مدى قدرة الإدارة على الاحتفاظ بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، حيث قد يفتح فقدانها الباب أمام إجراءات عزل الرئيس.

ولا تقتصر تداعيات جبهة القتال البعيدة في مضيق هرمز على تعطيل حركة التجارة العالمية فحسب، بل تمتد لتؤثر مباشرة على الحياة اليومية للمواطن الأمريكي العادي. ورغم أن المواطن البسيط قد لا يعنيه الشأن الإيراني بحد ذاته، فإن ارتفاع أسعار اللحوم والوقود وتكاليف المعيشة بوجه عام، فضلاً عن التضخم الناجم عن الحرب، أمور تشغل بال الناخبين كثيراً.

ومن النتائج الأخرى للموقف الأمريكي الصارم كشف نقاط الضعف حتى لدى أقرب الحلفاء. فالدول الأوروبية، رغم بعدها الجغرافي، لا تزال تعاني من ارتدادات سياسية؛ إذ يفرض الارتفاع الحاد في أسعار النفط وتعطل صادرات الغاز القطري — البديل لأوروبا بعد انقطاعها عن روسيا واعتمادها لاحقاً على شراء الغاز الأمريكي باهظ الثمن — ضغوطاً جسيمة. وكما قال هنري كيسنجر: «إن عداء الولايات المتحدة أمر خطير، لكن مصادقتها أمر قاتل».

يكمن خطأ فادح آخر في النظر إلى إيران من منظور أحداث عام ١٩٧٩ والثورة الإسلامية فحسب، إذ يتجاهل هذا التوجه صمود شعب يواجه قوة أجنبية، وهو أحد الأسباب التي تجعل تجرع الولايات المتحدة هزيمة جديدة في إيران أمرًا واردًا. فقد انتصرت إيران بالفعل في حرب سابقة، وحتى لو استمر الصراع لسنوات طويلة، فإن غزو بلد يضم ٩٠ مليون نسمة ويتمتع بتاريخ وثقافة فريدين يظل احتمالًا شبه مستحيل.

لم يؤدِّ الصراع بين الولايات المتحدة وإيران إلا إلى تآكل المكانة الداخلية لإدارة ترامب. فبحلول أواخر يوليو ٢٠٢٦، تشير بيانات RealClearPolitics وDecision Desk HQ وSilver Bulletin لـ Nate Silver إلى تقدم الديمقراطيين على الجمهوريين بنحو أربع إلى ست نقاط في استطلاعات الكونغرس. ومع تباين استطلاعات الرأي الفردية — حيث يُظهر بعضها تقدمًا طفيفًا للديمقراطيين بنقطتين بينما تُظهر استطلاعات أخرى فارقًا أوسع — فإن هذا التفوق الديمقراطي المستمر يعكس مسارًا يواجه فيه ترامب صعوبات كبيرة في انتخابات التجديد النصفي.

أظهر استطلاع حديث أن نسبة تأييد ترامب بلغت نحو ٤٦٪، وهي أعلى نسبة يسجلها منذ أشهر، غير أن المعدلات الإجمالية لمختلف مراكز الاستطلاع تضعه في خانة الأربعينيات الأدنى أو المتوسطة وما دون ذلك، مع تجاوز نسبة الرفض ٥٠٪ في العديد من الاستطلاعات الوطنية. وتُقدِّر منصة Decision Desk HQ أن فرصة الديمقراطيين في استعادة الأغلبية بمجلس النواب تتراوح بين ٦٠ و٦٢٪، مما يرجح تحقيق مكاسب قد تطيح بالأغلبية الضئيلة للجمهوريين. أما في مجلس الشيوخ، فيحتفظ الجمهوريون بتقدم طفيف، حيث تشير الاستطلاعات إلى احتمال احتفاظهم بالأغلبية بنسبة تتراوح بين ٥٦ و٥٩٪ تقريبًا.

وعلى الرغم من بعض التفاؤل لدى الجمهوريين مؤخرًا نتيجة تقلص الفارق في الاستطلاعات العامة، فإن عوامل مثل تراجع شعبية الرئيس والتحديات المستمرة في السياسة الخارجية والخسائر التاريخية في انتخابات التجديد النصفي لا تزال تهدد أغلبيتهم في مجلس النواب، ما لم تتحسن الأوضاع قبل نوفمبر.

ولتعزيز حظوظهم في انتخابات التجديد النصفي بحلول نوفمبر، يحتاج الجمهوريون إلى استقرار الأوضاع الاقتصادية أو تحسنها الملحوظ في الأشهر المقبلة، لا سيما الجوانب المؤثرة في الميزانية المعيشية للأسر. غير أن أسعار الوقود ارتفعت بشكل حاد في ظل التوترات المستمرة مع إيران والاضطرابات في مضيق هرمز؛ إذ بلغ المتوسط الوطني مؤخرًا نحو ٤،١٠ دولارات للغالون، وهو أعلى بكثير من مستويات ما قبل النزاع، وما يزال يغذي التضخم ويؤثر في توجهات الناخبين.

يحد استمرار النزاع في الشرق الأوسط، مقترنًا بالجدول الانتخابي الحرج، من الخيارات المتاحة أمام ترامب، مما ينذر بأزمة يصعب حلها عبر الوسائل العسكرية. ومع ذلك، لا يجد ترامب في الوضع الحالي مخرجًا من الصراع يجنب الولايات المتحدة إذلالًا كبيرًا، ما يجعل استمرار النزاع مرجحًا حتى مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي.

أخبار أخرى