استفزاز من نتنياهو يتحول إلى كابوس لإسبانيا
(X)
في مايو ۲۰۱۹، أثار منشور تحريضي على منصات التواصل الاجتماعي كتبه يائير نتنياهو، النجل المثير للجدل لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، موجة تنديد واسعة في الأوساط السياسية في مدريد. وردًا على انتقادات سياسية إسبانية للممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، نشر نتنياهو الابن خريطة تبرز الجيوب الإسبانية في شمال إفريقيا مصحوبة باستفزاز صريح: «أيها العرب والمسلمون الأعزاء، هل ترغبون في تحرير الأراضي العربية والإسلامية المحتلة؟ إليكم بداية ممتازة!».
وعندما انتقد سانتياغو أباسكال، زعيم حزب Vox الإسباني اليميني المتطرف، التغريدة واصفًا إياها بأنها «تنم عن جهل ورعونة»، أصر يائير نتنياهو على موقفه؛ حيث رأى أنه إذا كان الإسبان يستاؤون من الدعوات للتخلي عن سبتة ومليلية، فعليهم أن يتفهموا مشاعر الإسرائيليين عندما تمول مدريد منظمات تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية في «قلب الوطن اليهودي».
(X)
آنذاك، تعامل المسؤولون الإسبان مع هذا السجال باستخفاف واعتبروه مجرد تفريغ طائش على الإنترنت. غير أن كثيرين في مدريد يرون اليوم في تلك المشادة الاستفزازية نذير شؤم مقلقًا.
فقد دفعت أزمة حدودية حادة في سبتة — حيث تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين إلى الجيب الإسباني خلال ٤٨ ساعة عصيبة إثر تخفيف دوريات السواحل المغربية رقابتها مؤقتًا — بمواقع النفوذ الإسبانية الهشة في شمال إفريقيا إلى قلب عاصفة جيوسياسية بالغة الحساسية تشمل أطرافها الرباط وتل أبيب وواشنطن.
تقاطع ما بدا في البداية مجرد مناوشات عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي مع إعادة تشكيل متسارعة لموازين القوى في البحر الأبيض المتوسط، مما أثار مخاوف عميقة في مدريد بشأن سيطرتها طويلة الأمد على معاقلها الاستراتيجية في إفريقيا.
تدهورت الخلفية الجيوسياسية للأزمة بشكل مطرد؛ إذ برزت إسبانيا في عهد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز كواحدة من أشد دول أوروبا الغربية انتقاداً للحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة. كما أثار اعتراف مدريد الرسمي بدولة فلسطين، ودعمها للمسارات القانونية الدولية ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية، ومساعيها لفرض حظر أسلحة على مستوى الاتحاد الأوروبي، توبيخاً علنياً لاذعاً من جانب المسؤولين الإسرائيليين.
ورداً على ذلك، طفت الخلافات الدبلوماسية على السطح، حيث اتهم دبلوماسيون إسرائيليون مدريد بمكافأة حماس وشككوا في مكانة إسبانيا الأخلاقية، مشيرين مراراً إلى جيوبها المتبقية من الحقبة الاستعمارية في القارة الإفريقية كدليل على ازدواجية المعايير التاريخية.
وفي الوقت ذاته، راقبت مدريد بقلق متزايد توطيد إسرائيل والمغرب لشراكة استراتيجية قوية.
ومنذ تطبيع العلاقات الدبلوماسية بموجب «اتفاقيات أبراهام» التي رعتها الولايات المتحدة في أواخر عام ٢٠٢٠، أضفت الرباط وتل أبيب طابعاً مؤسسياً على التعاون الدفاعي من خلال معاهدات تاريخية لتبادل معلومات الاستخبارات، ومناورات عسكرية مشتركة، وصفقات كبرى لنقل الأسلحة.
وقد غيّر التحديث العسكري المتسارع للمغرب التوازن العسكري عبر مضيق جبل طارق، ولا سيما مع نشره بطاريات الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة الانتحارية، وأدوات المراقبة السيبرانية المتطورة.
وحذر قادة المعارضة والمحللون العسكريون في إسبانيا من أن هذا الحشد يمثل تحدياً استراتيجياً مباشراً لسبتة ومليلية، واللتين لا تشملهما حماية صريحة بموجب المادة ٥ من معاهدة الدفاع المشترك لـ«حلف شمال الأطلسي».
تحمل لعبة النفوذ المعاصرة هذه أصداء تاريخية عميقة في شبه الجزيرة الإيبيرية؛ إذ تشكلت العقيدة الأمنية الإسبانية تجاه شمال إفريقيا بفعل مخاوف استراتيجية تعود إلى عام ٧١١ ميلادي، عندما قادت القوات الأموية زحفاً من المغرب الحالي عبر مضيق جبل طارق، لتخضع المنطقة للحكم الإسلامي لما يقارب ثمانية قرون تحت اسم «الأندلس».
يشير مؤرخون إلى أن المجتمعات اليهودية المحلية، التي عانت من اضطهاد شديد على يد حكام القوط الغربيين، قدمت المساعدة مراراً للقوات القادمة من شمال إفريقيا، وفتحت لها أبواب المدن في معاقل رئيسية مثل طليطلة وقرطبة.
وبعد مرور قرون، لا تزال الروابط الإنسانية والثقافية بين شمال إفريقيا والمشرق العربي قوية وراسخة؛ إذ تعود أصول مئات الآلاف من الإسرائيليين مباشرة إلى المغرب، مشكلين واحدة من أكبر الكتل السكانية وأكثرها تأثيراً ثقافياً في إسرائيل. وأسهم هذا الإرث المشترك إسهاماً كبيراً في تيسير مسار التقارب الدبلوماسي والعسكري بين الرباط وتل أبيب.
تقع سبتة عند المدخل الشرقي لمضيق جبل طارق، وهو ممر بحري استراتيجي يعبره نحو ١٠ بالمئة من التجارة العالمية؛ ويمثل هذا الجيب الممتد على مساحة ١٨٫٥ كيلومتراً مربعاً نقطة مراقبة بحرية حيوية لإسبانيا وحلف شمال الأطلسي.
والأهم من ذلك أن سبتة، إلى جانب مليلية المجاورة، تشكل الحدود البرية الفعلية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع إفريقيا. وبالنسبة لإسبانيا، أدى تلاقي الذاكرة التاريخية والتحالفات المتغيرة في الشرق الأوسط والاضطرابات الحدودية إلى تحويل سبتة من جيب داخلي هادئ إلى خط الجبهة الساخن. وبينما تناور مدريد لحماية سيادتها وأمن حدودها، تقف المدينة شاهداً حياً على السرعة التي تعيد بها الصراعات الدولية رسم خطوط التماس الإقليمية على طول الجناح الجنوبي لأوروبا.