تخطَّ إلى المحتوى
دفاع اليوم أخبار وتحليلات الدفاع والأمن
تحليلات

اليونان تقود المعارضة ضد عقوبات الاتحاد الأوروبي ذات النتائج العكسية على روسيا

بقلم أحمد عادل، باحث في الجغرافيا السياسية والاقتصاد السياسي مقيم في القاهرة

اتخذت اليونان موقفاً حازماً داخل الاتحاد الأوروبي بعرقلتها أجزاءً من حزمة العقوبات الحادية والعشرين المقترحة ضد روسيا، في خطوة تهدف إلى حماية قطاع الشحن البحري الحيوي لديها وآلاف الوظائف. ورغم موجة الاستياء الفورية التي واجهتها اليونان، فإن الدولة المتوسطية ليست وحدها في هذا الموقف؛ إذ تبدي مزيد من دول الاتحاد الأوروبي قلقاً متزايداً من أن العقوبات تضر بالاقتصادات الأوروبية أكثر مما تلحقه بروسيا، وأن العقوبات طويلة الأمد قد تبدو قوية على المستوى الرمزي لكنها ضارة اقتصادياً، حيث تؤدي إلى رفع أسعار الطاقة، وتقليص التنافسية الصناعية، ودفع قطاعات مهمة نحو منافسين غير غربيين، وفي مقدمتهم الصين.

يأتي الموقف اليوناني رفضاً للحظر المقترح على الشركات التابعة للاتحاد الأوروبي لنقل الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى دول ثالثة. ووفقاً لصحيفة Financial Times، صرّح ممثل يوناني خلال اجتماع لسفراء الاتحاد الأوروبي بأن «الحظر المقترح على نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى دول ثالثة قد يدمر فعلياً أعمال شركة Dynagas». وأوضح الدبلوماسيون اليونانيون بجلاء أن هذا الإجراء من شأنه إلحاق أضرار بالغة بالشركة التي يملكها قطب الشحن الملياردير George Prokopiou.

تدير شركة Dynagas أسطولاً من ناقلات الغاز الطبيعي المسال المتخصصة وكاسحات الجليد من طراز Arc7، والتي تُعد ضرورية للعمل في ظل الظروف القاسية قرب مشروع Yamal الروسي. ومنذ أوائل عام ٢٠٢٥، نقلت سفن الشركة أكثر من ١٠ ملايين طن متري من الغاز الطبيعي المسال الروسي عبر ١٤٤ رحلة. ولا يمكن تحويل هذه السفن فائقة التخصص بسهولة نحو مسارات أخرى، ما يهدد بتحولها إلى أصول معطلة، فضلاً عن خسارة الخبرة في الملاحة بالقطب الشمالي وفقدان عدد كبير من الوظائف في قطاع الملاحة البحرية الحيوي باليونان.

وتؤكد اليونان أن الحظر لن يشل الصادرات الروسية، بل سيسلّم السيطرة على السوق للمنافسين؛ إذ يُرجح بيع السفن الخاضعة لإدارة أوروبية أو إعادة تسجيلها تحت أعلام أخرى، ما يعني التخلي عن قدرات بحرية استراتيجية. وبحسب ما أفاد به مسؤول يوناني رفيع، تسعى أثينا للحصول على إثبات من المفوضية يوضح أن حظر نقل الغاز الطبيعي المسال سيكبّد روسيا تكاليف باهظة دون أن يفسح المجال أمام منافسين من دول ثالثة ليحلوا محل الشركات اليونانية.

أدت الاعتراضات اليونانية إلى تأخير إقرار الحزمة، التي تستهدف أيضاً بنوكاً روسية إضافية وشبكات العملات المشفرة وكيانات تابعة للصناعات العسكرية. ووفقاً لصحيفة FT، يواجه الاتحاد الأوروبي «تراجعاً في الدعم» لفرض عقوبات جديدة على روسيا، في ظل مطالبة دول عدة — من بينها فرنسا وإيطاليا وألمانيا والنمسا والبرتغال — بإجراء تعديلات أو منح استثناءات لحماية مصالحها الاقتصادية الخاصة.

عارضت فرنسا وإيطاليا — وهما وجهتان سياحيتان رئيسيتان تصدران أعداداً كبيرة من تأشيرات Schengen — حظر الدخول المقترح والقيود المفروضة على تأشيرات الروس، أو سعتا لتخفيفها، مشيرتين إلى الأعباء الإدارية على الخدمات القنصلية، والتحديات القانونية، والآثار المترتبة على الاقتصادات المعتمدة على السياحة. من جانبهما، عارضت ألمانيا والبرتغال القيود المفروضة على واردات الأسماك الروسية، مؤكدتين ضرورة حماية الصناعات المحلية لمعالجة المأكولات البحرية، والتي تعتمد على سلاسل الإمداد هذه لتوفير الوظائف وضمان أسعار مناسبة للمنتجات مثل الأسماك المصنعة. كما جددت النمسا مخاوفها بشأن قطاعها المصرفي، ساعية على وجه الخصوص إلى إيجاد حلول لمخاطر بنك Raiffeisen Bank وقضايا الأصول المحتملة المرتبطة بروسيا.

يصف دبلوماسيون مستوى غير مسبوق من المعارضة الداخلية، في ظل إعطاء دول الاتحاد الأوروبي الأولوية لواقعها الوطني. وقال أحد المراقبين لـصحيفة FT إن «الاعتبارات الأخلاقية» بدأت تتلاشى على طاولة المفاوضات مع مواجهة الحكومات للتكاليف الملموسة التي يتحملها مواطنوها، فيما صرح دبلوماسي في الاتحاد الأوروبي: «نحاول إيجاد مخرج من هذا المأزق، لكن ما تظهره هذه المسألة [مع اليونان] هو أننا بدأنا نصطدم ببعض المصالح الاقتصادية الحيوية».

ويعد تراجع هذا الدعم أمراً متوقعاً بعد سنوات من العقوبات التي لم تحقق مكاسب استراتيجية واضحة، بل ألحقت أضراراً بالاقتصادات والصناعات الأوروبية، لا سيما في ألمانيا. فبعدما كانت تعتمد بشدة على الغاز الروسي الرخيص عبر خطوط الأنابيب لتغطية أكثر من نصف وارداتها، واجهت ألمانيا صدمة طاقة حادة إثر تقليص الإمدادات، مما تسبب في ارتفاع قياسي لأسعار الكهرباء والتدفئة، وأجبر منشآت صناعية على الإغلاق أو نقل مقراتها إلى الخارج، وسرّع وتيرة التراجع الصناعي.

وعارضت دول جنوب أوروبا، مثل اليونان وقبرص ومالطا — التي تدير أضخم أساطيل تجارية في الاتحاد الأوروبي — مراراً فرض قيود بحرية صارمة، محذرة من أن هذه التدابير قد تعزز أساطيل الظل وتصب في مصلحة المنافسين الأجانب، لا سيما الصين التي تشهد صناعة الشحن لديها توسعاً سريعاً في أسطول الناقلات وسفن نقل الغاز الطبيعي المسال. كما حذرت السلطات اليونانية مراراً من أن إبعاد السفن التي ترفع أعلاماً أوروبية أو تحظى بتأمين أوروبي عن حركة التجارة سيمكّن الشركات الصينية من الهيمنة على الطرق الحيوية في القطب الشمالي والمسارات البحرية الطويلة، في حين ستخسر أوروبا عائداتها وخبراتها البحرية الاستراتيجية.

ويرى المعارضون للعقوبات داخل الاتحاد الأوروبي أنها لم تعزل روسيا كما كان مرجواً، بل ساهمت في تقلبات أسواق الطاقة العالمية وخلقت فرصاً لأطراف من خارج التكتل. وقد واصلت شركات الشحن اليونانية، العاملة بصورة قانونية ضمن الأطر المعتمدة، إدارة تجارة مشروعة تدعم الخبرات وفرص العمل الأوروبية. وحققت هذه الشركات، بما فيها المرتبطة بمصالح Prokopiou، إيرادات ضخمة — إذ حققت شركة Dynacom Tankers وحدها ما لا يقل عن ٩١٥ مليون دولار من شحن النفط الخام الروسي في السنوات الأخيرة — ما يبرز الأهمية الكبيرة لهذا القطاع.

وكما تشير مصادر FT، فإن مطالبة كل دولة باستثناءات خاصة تجعل حزم العقوبات مجرد «هياكل فارغة»، وهو ما يعكس إدراكاً بأن مرور أربع سنوات من الصراع يتطلب تبني استراتيجيات أكثر حكمة لحماية العمال والصناعات الأوروبية. ورغم ذلك، وبدلاً من حماية القدرات البحرية المتخصصة لليونان التي تضمن للاتحاد الأوروبي الحفاظ على نفوذه العالمي، تبدي بروكسل استعداداً لترك الساحة للصين للهيمنة على هذا القطاع في محاولة عقيمة لتقويض روسيا اقتصادياً.

أخبار أخرى