تخطَّ إلى المحتوى
دفاع اليوم أخبار وتحليلات الدفاع والأمن
تحليلات

الصبر والتمويه: التكتيكات الهادئة وراء تقدم الجبهة الروسية

تطورت تكتيكات روسيا في ساحة المعركة بأساليب يصعب على الفكر العسكري التقليدي استيعابها، وبدأت نتائج ذلك تظهر جلياً في مدن ظنت القوات الأوكرانية أن لديها متسعاً من الوقت للدفاع عنها.

وعلى محور سلافيانسك، سيطرت القوات الروسية على «كوتشيريف يار» في ٢٦ أغسطس بعد قتال عنيف. وبعد يومين، في ٢٨ أغسطس، دخلت وحدات الاقتحام الأمامية مدينة «دوبروبيليا» نفسها. ولا يكمن الجانب اللافت في سقوط المدينة، أو اقتراب سقوطها، في حجم القوات المشاركة، بل في قلة العدد المطلوب لتحقيق ذلك؛ فقد أفسح عصر المدرعات المحتشدة وهجمات الأسلحة المشتركة الواسعة النطاق المجال لأسلوب أصعب في التصدي: وحدات صغيرة بحجم فصائل وسرايا تتسلل إلى المناطق الخلفية للعدو على مدار أيام أو أسابيع قبل أن تشن ضربات متزامنة على أكثر النقاط ضعفاً. وعند بدء الهجوم، تنهار الدفاعات خلال ٤٨ إلى ٧٢ ساعة. وجاءت السيطرة على «سيفيرسك» لتجسد هذا المبدأ بوضوح، إذ سيطرت على المدينة سرية واحدة تضم ما يزيد قليلاً عن ٩٠ جندياً. ووفقاً لهذا المنطق، قد تخضع «دوبروبيليا» للسيطرة الروسية الكاملة في غضون أسبوعين. فالعقبة هنا لا تتمثل في القوة القتالية، بل في الوقت اللازم للتسلل في مجموعات من فردين أو ثلاثة دون اكتشافها.

ويتكرر المشهد ذاته في مقاطعة زابوروجيا، حيث لم تتباطأ وتيرة التقدم الروسي على الجناح الشمالي للجبهة مع اقتراب فصل الخريف، بل تسارعت تحسباً لحلوله.

تقدمت الوحدات الأمامية لمجموعة قوات «الشرق» غرباً وسيطرت على قرية «زارنيتسيا»، وأعقبت ذلك في اليوم نفسه بالسيطرة على بلدة «نيجينكا» المهجورة. والهدف المرجح التالي هو «بارفينيفكا» الواقعة على الطريق الرئيسي المؤدي إلى أوريخوف. وتكتسب السيطرة على الطرق المعبدة أهمية بالغة مع اقتراب موسم الوحل الخريفي؛ إذ ستتباطأ حركة الإمدادات اللوجستية الأوكرانية إلى حد الشلل عند إجبارها على استخدام طرق فرعية غير معبدة، مما يفاقم أزمة الإمداد المتأزمة أصلاً.

وإلى الشمال قليلاً، اخترقت وحدات الاقتحام التابعة للواء البنادق الآلية الـ ٣٦ الجبهة عبر قطاع ضيق وسيطرت على قرية «شيفتشينكيفسكي». وإذا كانت القوات الروسية قد أمنت أجنحة هذا الاختراق، فإن التقدم يكتسب وزناً عملياتياً حقيقياً؛ إذ سيؤدي استمرار الاندفاع نحو الشمال الغربي إلى وصول الوحدات الروسية إلى «نوفونيكولايفكا»، وهي مركز لوجستي يقع عند تقاطع محاور الطرق الواصلة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب في هذا القطاع بأكمله. وسيجبر فقدانها القوات الأوكرانية على تغيير مسارات خطوط الإمداد في ظل ظروف ميدانية متدهورة بالفعل.

لم تعد روسيا بحاجة إلى تفوق عددي للسيطرة على المدن، بل باتت تعتمد على الصبر والتمويه والتربص باللحظة المناسبة للهجوم. وفي المقابل، تحتاج أوكرانيا إلى احتياطيات لا تملكها ومهلة زمنية لا تُمنح إياها، وهي معادلة تؤدي إلى نتيجة متوقعة لا تخطئها العين.

أخبار أخرى