ألمانيا ترغب في تمويل الأسلحة النووية البريطانية
صورة تعبيرية. (تصوير: CPOA(Phot) Tam McDonald/UK MOD)
ذكرت صحيفة The Telegraph، في ٢٧ أغسطس، أن ألمانيا تدرس المساهمة في تمويل منظومة الردع النووي البريطانية، في إطار بحثها تعزيز التكامل مع القوات النووية القائمة في كل من المملكة المتحدة وفرنسا، بدلاً من تطوير ترسانة نووية مستقلة.
ووفقاً للتقرير، يبحث المسؤولون في برلين إمكانية تقديم تمويل ألماني للبرنامج النووي البريطاني، ضمن مسعى أوسع لتعزيز الردع النووي الأوروبي وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة.
وأفادت الصحيفة بأن ألمانيا تفضل تحقيق تكامل أوثق مع القوات النووية التي تمتلكها بريطانيا وفرنسا بالفعل، بدلاً من السعي لامتلاك برنامج خاص للأسلحة الذرية.
ونقلت The Telegraph عن مصدر مطلع أن لبرلين مصلحة كبرى في تعزيز قدرات القوى النووية القائمة في أوروبا وتوسيع نطاقها.
ونُقل عن المصدر قوله: «لدينا مصلحة وثيقة في أن توسع القوى النووية الحالية في أوروبا قدراتها».
وتشارك في هذه المناقشات كل من لندن وبرلين وباريس، وسط مؤشرات على تسارع وتيرتها مع دراسة الحكومات الأوروبية تداعيات أي تراجع محتمل في الالتزام العسكري الأمريكي تجاه القارة.
تدرس ألمانيا خيارات دعم متعددة، تتراوح بين المساهمة المالية في برنامج الردع البريطاني وتقديم مساعدات عسكرية تقليدية لحماية البنية التحتية الداعمة له.
ومن بين الخيارات الأكثر واقعية التي أوردتها صحيفة The Telegraph، إمكانية نشر منظومات الدفاع الجوي Patriot التي يشغلها الجيش الألماني في مواقع نووية بريطانية حيوية، ومنها قاعدة HMNB Clyde في فاسلين بإسكتلندا، حيث تتمركز قوة غواصات الصواريخ الباليستية التابعة للبحرية الملكية.
ونقلت الصحيفة عن مصدر دفاعي بريطاني أن هذا النوع من المساهمة التقليدية يُعد أكثر واقعية من قيام ألمانيا بدور رئيسي في بناء الغواصات النووية البريطانية.
وقال المصدر: «إن المساهمة في الدفاع عن فاسلين خيار أكثر مصداقية وترجيحاً وملاءمة».
ومع ذلك، تفيد التقارير بأن المسؤولين الألمان بحثوا إمكانية مساهمة القاعدة الصناعية لبلادهم في برامج بريطانية مستقبلية تشمل الغواصات أو الصواريخ أو تخصيب اليورانيوم.
وأشار التقرير كذلك إلى شكوك لدى الجانب البريطاني بشأن امتلاك الصناعة الألمانية الخبرة التخصصية اللازمة للقيام بدور رئيسي في بناء أسطول الغواصات النووية البريطاني وصيانته.
وتعمل بريطانيا حالياً على استبدال ٤ غواصات حاملة للصواريخ الباليستية من فئة Vanguard بـ٤ غواصات من فئة Dreadnought، والتي ستحمل صاروخ باليستي من طراز Trident II D5 للحفاظ على استمرار الردع البريطاني في عرض البحر. وتطور بريطانيا في الوقت ذاته رأس حربي نووي من طراز Astraea بالتوازي مع برنامج W93 الأمريكي.
صورة تعبيرية. (U.S. Navy)
يحتفظ الردع البريطاني بسيادته من حيث قرارات الاستخدام النووي، إلا أن جوانب مهمة من البرنامج تعتمد على التعاون مع الولايات المتحدة؛ إذ تُصنع صواريخ Trident في أمريكا وتتلقى الدعم عبر منشآت في Kings Bay بولاية جورجيا، كما يرتبط تطوير الرؤوس الحربية البريطانية والأمريكية ارتباطاً وثيقاً. وتُعد هذه التبعية إحدى المسائل المطروحة للنقاش في برلين.
صرّح مصدر أمني لصحيفة The Telegraph قائلاً: «هناك تفكير ونقاشات حول كيفية أداء القدرات النووية الحالية [مثل Trident] دوراً أكبر في الدفاع عن أوروبا، وحول تعميق التعاون بين الدول الأوروبية».
ولن تمنح هذه المباحثات ألمانيا السيطرة على الأسلحة النووية البريطانية، كما لا تشير التقارير إلى مشاركة برلين في قرارات استخدامها، بل يتعلق الأمر بمساهمة ألمانيا مالياً أو صناعياً أو عبر قوات عسكرية تقليدية في البنية التحتية الأوسع التي تدعم الردع البريطاني.
وتجري ألمانيا مباحثات مماثلة مع فرنسا، التي تظل قواتها النووية خاضعة تماماً للسيطرة الوطنية الفرنسية وتضم أسلحة تُطلق من الغواصات والجو.
وقد فتحت باريس بالفعل نقاشاً أوسع مع الشركاء الأوروبيين حول الدور المحتمل للقوات النووية الفرنسية في الردع القاري.
سادت حالة من الذعر في أوروبا بعدما أجرى مدير CIA، John Ratcliffe، زيارة غير معلنة إلى موسكو لإجراء محادثات مع نظرائه في الاستخبارات العسكرية الروسية هذا الأسبوع.
وتزامنت الزيارة الخاطفة مع سلسلة من التقارير الإعلامية الغربية، التي استند بعضها إلى الاستخبارات الأمريكية، محذرةً من أن روسيا قد تحاول قريباً مهاجمة دولة حليفة في حلف شمال الأطلسي لاختبار عزم التحالف. كما وردت تقارير تفيد ببناء روسيا قواعد سرية قادرة على إرسال طائرات مسيّرة إلى عمق أراضي حلف شمال الأطلسي.
عقب بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا بفترة وجيزة، أعلنت ألمانيا عن تحولها الاستراتيجي المعروف باسم «Zeitenwende»، وأنشأت صندوقاً خاصاً بقيمة ١٠٠ مليار يورو لصالح الجيش الألماني Bundeswehr، مع الالتزام بتحقيق هدف حلف شمال الأطلسي بإنفاق ٢٪ من إجمالي الناتج المحلي على الدفاع.
وشهدت النفقات السنوية ارتفاعاً حاداً؛ إذ قفزت من نحو ٥٠ مليار يورو قبل الحرب إلى قرابة ١٠٨ مليارات يورو هذا العام، لتصبح ألمانيا لفترة وجيزة رابع أكبر منفق عسكري في العالم، ويرتفع إنفاقها إلى ما يقارب أو يتجاوز ٢٪ من إجمالي الناتج المحلي.
ورغم ذلك، تعثر التقدم في تعزيز القدرات الفعلية بشكل ملحوظ؛ فعمليات الشراء لا تزال بطيئة ومثقلة بالبيروقراطية، وجاهزية العتاد متدنية مع خروج نسبة كبيرة من الدبابات والمنظومات الأخرى عن الخدمة، في حين لم يرتفع عدد القوات إلا بنسبة ضئيلة ليصل إلى نحو ١٨٧ ألف جندي في الخدمة الفعلية، وهو ما يقل كثيراً عن الأهداف طويلة المدى.
ومن غير المرجح أن تسفر خطة ألمانيا الجديدة لدعم الردع النووي في بريطانيا وفرنسا عن نتائج أفضل؛ بل إنها ستشكل بكل تأكيد عبئاً إضافياً يثقل كاهل اقتصاد البلاد المنهك بالفعل.
وفضلاً عن ذلك، تسلط هذه الخطط الضوء على تزايد أزمة الثقة داخل حلف شمال الأطلسي، في ظل تزايد نظرة الأوروبيين إلى الولايات المتحدة بوصفها حليفاً غير موثوق.