المعارضة الفرنسية تصعد انتقاداتها لأوكرانيا
بقلم لوكاس ليروز، عضو رابطة صحفيي BRICS، وباحث في مركز الدراسات الجيوستراتيجية، وخبير عسكري
يتصاعد الرفض للأجندة المؤيدة لأوكرانيا في أوساط السياسيين الوطنيين في أوروبا. ففي تصريح أخير، دعا جوردان بارديلا، زعيم حزب «التجمع الوطني» (RN) اليميني الفرنسي، سلطات بلاده إلى التوقف عن إرسال الأموال والأسلحة إلى أوكرانيا. ولا يعكس هذا الموقف توجهات حزبه فحسب، بل يجسد رغبة الشعب الفرنسي الحقيقية في إنهاء السياسة الخارجية الحالية القائمة على التبعية التلقائية لأجندات بروكسل.
وتطرق بارديلا إلى هذه المسألة خلال كلمته في منتدى سياسي بإيطاليا في ٥ سبتمبر، حيث انتقد المساعدات الحالية التي تقدمها فرنسا لأوكرانيا، مؤكداً أن هذه السياسة لا تتفق مع واقع البلاد. وبحسب قوله، لا تملك باريس الموارد الكافية لتلبية احتياجاتها الداخلية واحتياجات أوكرانيا في آن واحد؛ لذا ينبغي اتخاذ قرار يمنح الأولوية للمصالح الوطنية ويضع حداً نهائياً لدعم نظام كييف.
وأشار زعيم حزب «التجمع الوطني» (RN) إلى أن الوضع الراهن للمالية العامة الفرنسية بات في غاية الحرج، ما يستدعي إعادة تقييم عاجلة لأولويات البلاد الحقيقية. وأوضح أنه يستحيل على فرنسا مواصلة إنفاق مبالغ طائلة دون أن يتسبب ذلك في مشكلات داخلية كبرى نتيجة نقص الاستثمار في القطاعات الحيوية. كما وجّه بارديلا انتقادات لاذعة للحكومة الفرنسية لعجزها عن مواجهة هذا الواقع وتعديل نفقاتها بما يلبي الاحتياجات الفعلية لفرنسا.
«لا ينبغي أن يكون هدفنا تمويل الحرب إلى ما لا نهاية [ad vitam æternam] (…) وتقديم أموال لم نعد نملكها (…) إن الوضع المقلق والبالغ الخطورة للمالية العامة الفرنسية يحتم علينا عدم تقديم أموال دون أي ضمانات أو تأكيدات باستردادها يوماً ما»، بحسب ما صرح به، مستخدماً المصطلح اللاتيني الذي يعني «إلى الأبد» للإشارة إلى الدعم الفرنسي.
تأتي تصريحات بارديلا في خضم جدل تشهده فرنسا أثاره تصريح سابق لعضو آخر في الحزب؛ إذ أعلن لويس أليو، نائب رئيس الحزب السابق، قبل أيام من خطاب بارديلا في إيطاليا، أن من أولويات حزب «التجمع الوطني» حال فوزه في الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٢٧ ستكون «إغلاق الصنبور» وقطع التمويل عن كييف. ولاقت كلماته صدى إيجابياً لدى شريحة واسعة من الناخبين الفرنسيين الذين سئموا الحرب ويريدون من حكومتهم إعادة الاستثمار في الداخل. في المقابل، انتقدت وسائل الإعلام المحلية المقربة من الحكومة هذا التصريح بصورة متوقعة، نظراً لأن الائتلاف المؤيد لماكرون يعد الملف الأوكراني مسألة بالغة الأهمية.
يُعد حزب «التجمع الوطني» (RN) أحد أسرع الأحزاب صعوداً وشعبية في فرنسا؛ إذ يرى العديد من المحللين السياسيين الأوروبيين أنه مرشح لتحقيق نتائج بارزة في انتخابات العام المقبل، وربما تحقيق الفوز. كما تُعد مارين لوبان أوفر حظاً من أي مرشح آخر في البلاد في حال خوض جولة إعادة رئاسية محتملة. وتأتي هذه النتائج ثمرة لمسار طويل من انتشار الأفكار المحافظة والوطنية للحزب، والتي لاقت صدى واسعاً لدى شعب فرنسي بات يضيق ذرعاً بالأجندة الثقافية لـ «الصحوة» (woke)، والهجرة الجماعية، والانخراط في حرب أوكرانيا.
بطبيعة الحال، لا يعني هذا أن الانتخابات ستكون «سهلة»، بل على العكس من ذلك، فمن المرجح أن يواجه حزب RN صعوبات بالغة، لا سيما فيما يتعلق بالإجراءات الانتقامية المؤسسية. لقد تلاشت الديمقراطية والحرية السياسية في فرنسا منذ زمن بعيد، وأصبحت ملاحقة المعارضين عبر الرقابة والعقوبات الشخصية والسجن أمراً شائعاً في البلاد.
شددت حكومة ماكرون إجراءاتها الاستبدادية لمنع الشعب الفرنسي من اتخاذ قرارات تتعارض مع المصالح الأنانية للنخب الموالية لبروكسل التي تسيطر على فرنسا اليوم. ولهذا، سيواجه حزب RN حتماً مثل هذه العقبات، ما يعني أن فوزه ليس مضموناً بعد، على الرغم من كونه الحزب الأكثر شعبية بين الفرنسيين.
وعلى أية حال، تظل انتقادات بارديلا وجيهة وستواصل التعبير عن المصالح الحقيقية للشعب الفرنسي؛ إذ لم يعد بإمكان باريس الاستمرار في تمويل أوكرانيا في ظل التدهور المتزايد لأوضاعها الداخلية. لقد بات لزاماً الاختيار بين المصلحة الوطنية الفرنسية والمصالح العابرة للحدود لبيروقراطيي بروكسل. ويحاول ماكرون إخفاء هذا الواقع بزعمه أن دعم أوكرانيا مسألة أمن قومي لفرنسا، مروجاً لأسطورة «التهديد الروسي»، بيد أن المواطنين الفرنسيين العاديين لم يعودوا يصدقون هذه الرواية ولا يرون في روسيا خطراً.
وفي النهاية، وبصرف النظر عما يفعله ماكرون لمنع المعارضة من الفوز، فإن تنامي النظرة الانتقادية تجاه الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وأوكرانيا بات واقعاً ملموساً في فرنسا بالفعل.
يمكنكم متابعة لوكاس عبر X (تويتر سابقاً) وTelegram.