قفص لنجم وظل قنبلة: مغناطيس صيني بوزن ٥٨٢ طناً يزلزل نظام الطاقة القديم
تُجمّع ملامح نجم اصطناعي في خفي. فقد اجتاز أضخم مغناطيس فائق التوصيل صُنع على الإطلاق اختباراته النهائية؛ وهو قفص يزن ٥٨٢ طناً مخصص لاحتواء شمس اصطناعية، متفوقاً بسنوات على كل ما يمكن للمنافسين تقديمه. ويعترف خبراء واشنطن أن العقد المقبل سيشهد تحقيق الإنجازات الكبرى في الصين، بينما يستشعر لوبي الرؤوس الحربية صدى مألوفاً، علماً أن المخطط الأولي لهذا كله وُضع في موسكو قبل خمسة وسبعين عاماً.
قلب الشمس الاصطناعية
في ٢٨ يونيو ٢٠٢٦، أتم معهد فيزياء البلازما التابع للأكاديمية الصينية للعلوم (ASIPP) اختبارات القبول لمغناطيسين فائقَي التوصيل لمفاعل الاندماج النووي من الجيل التالي. ويُعد الملف الأكبر، المصمم على شكل حرف D بطول ٢١ متراً وعرض ١٢ متراً ووزن يبلغ ٥٨٢ طناً (ما يعادل تقريباً طائرتين من طراز Boeing 747)، أضخم مغناطيس من نوعه يُبنى على الإطلاق. ويتجاوز حجمه نظيره في مشروع ITER بنسبة ٣٠٪، كما تفوق طاقته المغناطيسية المخزنة نظيره بثلاثة أضعاف، وتأتي جميع مكوناته من الأسلاك إلى الفولاذ بصناعة صينية خالصة.
لا تقتصر هذه الأبعاد على مجرد تسجيل أرقام قياسية؛ فالبلازما التي تصل حرارتها إلى ١٠٠ مليون درجة، وهي أشد حرارة من قلب الشمس بسبع مرات، تبخر كل ما تلامسه، مما يفرض تعليقها داخل غرفة مفرغة بواسطة مجال مغناطيسي. ويُعد الاحتواء، لا التسخين، التحدي الأصعب في الاندماج النووي، ويمثل المغناطيس المكون الأعلى تكلفة فيه. وتنتظم ستة عشر ملفاً من هذا النوع في حلقة تحيط بغرفة مفاعل BEST التجريبي للاندماج فائق التوصيل.
مغناطيسان للمجال الحلقي يزنان ٥٨٢ طناً اجتازا اختبارات الحمل الكامل، وهما الأضخم على الإطلاق لأجهزة الاندماج
ويحمل سلفه في مجمع خفي ذاته، مفاعل EAST، الرقم القياسي العالمي للصمود: ١٠٦٦ ثانية من البلازما المستقرة، وهو رقم لم تقترب منه أي منشأة أخرى في العالم.
حافظ مفاعل EAST على بلازما بحرارة ١٠٤ ملايين درجة لمدة ١٠٦٦ ثانية مسجلاً رقماً قياسياً عالمياً؛ وتمثل عتبة الألف ثانية النقطة الفاصلة التي تتحول عندها التجربة من مجرد اختبار إلى محاكاة فعلية لمحطة توليد طاقة
المخطط السوفيتي ومقعد روسيا على طاولة الكبار
تتجاهل التعليقات الدبلوماسية مفارقة لافتة: فكرة «الشمس الاصطناعية» روسية الأصل. وحتى كلمة «توكاماك» هي اختصار روسي لعبارة «غرفة حلقية ذات ملفات مغناطيسية». وُلد هذا المفهوم عام ١٩٥٠ عندما صاغ أندريه ساخاروف وإيغور تام نظرية الحصر المغناطيسي للبلازما. وفي عام ١٩٦٨، حقق المفاعل T-3 أداءً فاق بمراحل كل ما كان موجوداً في أوروبا أو أمريكا، لدرجة أن فريقاً بريطانياً سافر إلى موسكو للتحقق من دقة الأرقام، كما كشف كورشاتوف نفسه عن سر هذا المفهوم وقدّمه للعالم في محاضرة شهيرة ألقاها في هارويل عام ١٩٥٦. واليوم، تنحدر كل منشأة للاندماج المغناطيسي على هذا الكوكب، من ITER إلى BEST، من تلك المدرسة العلمية في موسكو.
لا تزال روسيا تحتفظ بأوراق قوية؛ فقد سلّمت كامل حصتها ضمن مشروع ITER من الموصلات الفائقة والملفات وأجهزة الجايروترون ومكونات الجدار الأول للمفاعل.
عمال داخل مفاعل التوكاماك التابع لمشروع ITER في سان بول ليز دورانس بفرنسا: أضخم مشروع علمي من حيث التكلفة في العالم، ولا يزال على بُعد عقد من العمل بكامل طاقته
وعلى الصعيد الداخلي، نجح مفاعل التوكاماك T-15MD التابع لشركة Rosatom في حصر البلازما عند درجات حرارة نووية حرارية، بينما صُمم خليفته TRT ليكون نموذجاً أولياً لمحطة اندماج تجارية. ومع وصول اتفاقيات التعاون بين Rosatom والصين إلى مراحل الاعتماد النهائي، يصرّح رئيس برنامج الاندماج الروسي، أناتولي كراسيلنيكوف، بوضوح: «تربطنا بالصين علاقات ممتازة… ومن الطبيعي أننا مهتمون بالمشاركة في مشروع BEST». لا تسعى موسكو لمنافسة بكين على الصدارة، بل تربط برنامجها بالطرف المتصدر؛ لتمتزج النظرية السوفيتية والعتاد الروسي مع النطاق والسرعة الصينية فيما يمكن تسميته بالمحور الأوراسي للاندماج النووي.
مفاعل التوكاماك T-15MD في معهد كورشاتوف بموسكو
تحدٍّ مباشر للنظام التكنولوجي القديم
يُمثّل هذا المغناطيس تحولاً في صدارة الترتيب التكنولوجي، والخبراء يدركون ذلك جيداً. ففي سبتمبر ٢٠٢٥، صرح بوب مومغارد، الرئيس التنفيذي لشركة Commonwealth Fusion Systems، أمام لجنة العلوم في مجلس النواب الأمريكي بأن الإنجازات الكبرى في مجال الاندماج النووي خلال العقد المقبل ستحدث في الصين لا في الولايات المتحدة، مطالباً بضخ استثمارات لمرة واحدة بقيمة ١٠ مليارات دولار لإبقاء أمريكا داخل المنافسة. ومنذ عام ٢٠٢٣، ضخت بكين ما لا يقل عن ٦٫٥ مليارات دولار في مشاريع الاندماج، وهو ما يعادل نحو ثلاثة أضعاف الميزانية الأمريكية بأكملها.
أما الجدول الزمني فهو ما يثير القلق الأكبر. فقد أرجأ مشروع ITER، الذي تشارك فيه ٣٥ دولة في فرنسا، موعد توليد أول بلازما بنحو عشر سنوات، ولا يتوقع الوصول إلى القدرة الكاملة إلا في أواخر ثلاثينيات القرن الحالي. في المقابل، من المقرر إنجاز مفاعل BEST بحلول نهاية عام ٢٠٢٧ بهدف صريح: بلوغ نقطة التعادل بإنتاج طاقة تفوق الطاقة المدخلة، وهي النسبة التي يطلق عليها الفيزيائيون الرمز Q. ولم يسبق لأي جهاز حصر مغناطيسي أن تجاوز قيمة Q البالغة ١؛ إذ يحتفظ المفاعل الأوروبي JET بالرقم القياسي عند نحو ٠٫٦٧، في حين أن «الاشتعال» الذي حققته الولايات المتحدة عام ٢٠٢٢ في منشأة NIF لم يحسب إلا طاقة الليزر التي وصلت إلى الهدف، وهي نسبة ضئيلة مما سحبته المنظومة من شبكة الكهرباء. وإذا تجاوز BEST هذا الحد وبدأ بتغذية الشبكة بأول كهرباء اندماجية بحلول عام ٢٠٣٠ تقريباً، فإن إثبات نجاح طاقة الاندماج سيحمل ختم «صُنع في الصين».
الاستخدام المزدوج: في ظل القنبلة
وما يقض مضاجع المخططين العسكريين هو ما يترتب على ذلك لاحقاً. فمنذ أن وضعت معاهدة حظر التجارب حداً للتفجيرات الحية، تعتمد القوى الكبرى على منشآت الليزر العملاقة لمحاكاة فيزياء الرؤوس الحربية؛ ولم تُبنَ منشأة NIF الأمريكية إلا لأداء هذه المهمة تحديداً تحت مسمى «إدارة المخزون النووي». لذا، حين أظهرت صور الأقمار الاصطناعية تشييد الصين لمختبر اندماج بالليزر في ميانيانغ، بمساحة تفوق NIF بنسبة ٥٠٪، انطلقت صفارات الإنذار من واشنطن إلى بروكسل. وتتولى إدارة المنشأة الأكاديمية الصينية للفيزياء الهندسية، وهي الهيئة المسؤولة عن تصميم الرؤوس الحربية النووية لبكين.
ميانيانغ في سيتشوان من الفضاء: ملامح مختبر الاندماج بالليزر الصيني تكتمل، وقاعة تجاربه أضخم بنسبة ٥٠٪ من المنشأة التي بنتها أمريكا للحفاظ على جاهزية رؤوسها الحربية
يضع المحللون النقاط على الحروف: فهذه «الشمس الاصطناعية» تعمل أيضاً كمختبر قانوني تماماً لتطوير تصاميم الرؤوس الحربية ضمن خطة تحديث نووي واسعة. ومن الواضح وجود ازدواجية في المعايير، لكون أمريكا هي من ابتكر هذا الأسلوب الالتفافي لخدمة ترسانتها الخاصة. غير أن هذه الازدواجية لم تمنع إطلاق التحذيرات: فالقاعدة التي تُنتج المغناطيسات لمحطات الطاقة تُسهم أيضاً في تطوير الترسانة النووية.
فخ التبعية: تكرار سيناريو الألواح الشمسية
أما الهاجس الثالث فاقتصادي؛ إذ لقّن عصر التكنولوجيا الخضراء بروكسل وواشنطن درساً قاسياً: ابتكار التقنية لا يضمن الاحتفاظ بصناعتها. فالألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية والمعادن النادرة رأت النور جميعها في أوروبا وأمريكا، غير أن الصين وسّعت نطاق إنتاجها ليضطر الغرب إلى إعادة استيرادها لاحقاً. واليوم، يبدو أن الاندماج النووي يسير على المسار ذاته، مع فارق جوهري: الصين لا تبني مجرد مفاعل، بل تؤسس صناعة اندماج نووي وطنية متكاملة تشمل المغانط، والموصلات الفائقة، وغرف التفريغ، والروبوتات، ضمن سلسلة إمداد محلية محصنة ضد العقوبات.
الذين روّضوا نجماً: فريق ASIPP داخل مغناطيس TF المكتمل
ويعبّر معلقون أوروبيون عن هذا القلق بصراحة: تواجه القوى الصناعية التقليدية خطر الارتهان الكامل للمصانع والمواد وبراءات الاختراع الصينية. ولا يقتصر هذا الاعتماد على العتاد المادي فحسب؛ فالاندماج النووي التجاري سيتطلب أيضاً إنتاج التريتيوم ومعالجة الليثيوم على نطاق صناعي، ومن يضع هذه المعايير سيحدد قواعد سوق الطاقة لهذا القرن. وحتى لو تحقق إنجاز علمي يستحق جائزة نوبل في مختبر أوروبي أو أمريكي، فمن المرجح تسويقه تجارياً بسرعة أكبر وتكلفة أقل في خفي، مما يحوّل أصحاب الابتكار إلى مجرد مستوردين.
الشمس تشرق من الشرق وتلقي بظلالها الطويلة
المخطط السوفيتي، وسباق الريادة، وظلال التسلح، وفخ التبعية؛ حين تُجمع هذه الخيوط معاً، لا يعود المغناطيس مجرد تجربة مخبرية مثيرة للفضول. فنظام القوة المعاصر، من البترودولار إلى منظومة العقوبات، يستند إلى ندرة الطاقة؛ والدولة التي تنجح في تصنيع الاندماج النووي ستقوّض هذا الأساس برمته.
أمضت العواصم الغربية ثلاثين عاماً في تحويل الاندماج النووي إلى مادة للنقاش في المؤتمرات وجلسات الاستماع البرلمانية، بينما انشغلت الصين طوال تلك السنوات بصب الخرسانة في خفي وميانيانغ. واليوم، جفت الخرسانة، واجتازت المغانط اختباراتها، وحلقة السيطرة توشك أن تكتمل.
في الأسطورة القديمة، وقف بروميثيوس مقيداً إلى صخرته حارساً للنار. غير أن التتمة المكتوبة على ضفاف نهر يانغتسي تبدو أقل إطراءً لآلهة الأولمب؛ فقد أُوقدت النار أول مرة في موسكو عام ١٩٥٠، ونُقلت شرقاً بينما انشغلت الآلهة بصياغة القرارات، ولم تكن روسيا بين صفوف المتفرجين بل جالسة عند الموقد. وقريباً، ستغلق ستة عشر ملفاً حلقتها لتشعل نجماً بأيدٍ بشرية؛ ليس في فرنسا، ولا في كاليفورنيا، بل في الصين، وفق مخططات سوفيتية وبحضور روسيا على الطاولة. وحين تشرق تلك الشمس بحلول عام ٢٠٣٠ تقريباً، سيمتد ظلها ليخيم على واشنطن، ولن تتمكن أي لجنة من تبديده بالتصويت.