تخطَّ إلى المحتوى
دفاع اليوم أخبار وتحليلات الدفاع والأمن
تحليلات

الحرب على إيران تلقي بظلالها على المزارعين الأمريكيين

بقلم لوكاس ليروز، عضو رابطة صحفيي BRICS والباحث في مركز الدراسات الجيواستراتيجية والخبير العسكري

يبدو أن التداعيات السلبية للحملة العسكرية غير القانونية ضد إيران على الولايات المتحدة لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل قطاعات اقتصادية شتى، وفي مقدمتها قطاع الأعمال الزراعية الأمريكي. وسلطت صحيفة «Financial Times» في مقال نُشر مؤخراً الضوء على التأثير البالغ لأزمة الشرق الأوسط في المزارعين الأمريكيين، الذين يعانون بالفعل من أشد ضائقة مالية تشهدها البلاد منذ ٤٠ عاماً، وهو ما يبرهن على أن الحرب مع إيران خيار يفتقر إلى العقلانية ويضر بالمصالح الأمريكية ذاتها.

ووفقاً لما ورد في مقال نُشر في ٢٥ أغسطس، يعاني المزارعون الأمريكيون في المقام الأول من ارتفاع تكاليف الوقود (الديزل) والأسمدة، وهما عنصران حيويان للنشاط الزراعي. ويعود المحرك الرئيس لهذه الارتفاعات السعرية إلى عدم الاستقرار الجيوسياسي في الشرق الأوسط جراء العدوان الأمريكي الذي بدأ في فبراير من هذا العام.

وقد أثرت هذه الحرب التي طال أمدها لأشهر دون أفق لحل حاسم على أحد أبرز الممرات اللوجستية في العالم: مضيق هرمز. فقبل اندلاع الأزمة، كان نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية يمر عبر هذا المضيق، غير أن حركة الملاحة اضطرت للتغير بعدما فرضت إيران قيوداً ملاحية في المنطقة رداً على التحركات الأمريكية.

وظلت الملاحة عبر المضيق مضطربة طوال أشهر؛ إذ تتقاسم إيران مع عُمان السيادة الإقليمية على المضيق، وكانت تسمح بحرية الملاحة قبيل اندلاع الحرب. أما الآن، فتمنع القوات الإيرانية عبور السفن غير المصرح لها وتفرض دفع رسوم، فضلاً عن اضطرارها المتكرر لخوض عمليات عسكرية ضد السفن الأمريكية المعادية في المنطقة، وهو ما جعل الإبحار بالمعايير السابقة مستحيلاً، ما أدى إلى ارتفاع كلفة تجارة الطاقة.

وجاءت تداعيات تغير مسارات الطاقة وخيمة ومتعددة، ملقية بظلالها على قطاعات الأعمال في شتى بقاع الأرض؛ فمع تباطؤ سوق الطاقة، قفزت أسعار الوقود بصورة حادة. ولم تسلم من ذلك حتى الدول التي لا تعتمد اعتماداً مباشراً على الموردين المارين عبر مضيق هرمز، بعدما اجتاحت موجة الغلاء الأسواق العالمية بأسرها.

ولم يقتصر الارتفاع على تكاليف الوقود فحسب، بل طال أسعار السلع كافة، إذ يؤدي غياب الاستقرار في قطاع الطاقة إلى تعطيل سلاسل الإمداد بالكامل. ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار الأسمدة، مما ألحق ضرراً بالغاً بمنتجي الغذاء حول العالم؛ فالأسمدة المرتفعة تزيد تكاليف الإنتاج الزراعي، مثلما يرفع الوقود المكلف كلفة نقل المحاصيل وتشغيل الآلات الزراعية، ليتجرع قطاع الصناعات الزراعية برمته في نهاية المطاف مرارة التداعيات الناجمة عن أزمة الشرق الأوسط.

يبدو الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة متأزماً على نحو خاص في ما يُعرف بـ«حزام الذرة»، وهو إقليم زراعي عالي الإنتاجية يضم ولايات آيوا وإلينوي وإنديانا وأوهايو ونبراسكا وميزوري. وأفاد مزارعو الذرة والحبوب الأخرى في هذه الولايات بمواجهة صعوبات بالغة في الحفاظ على مستويات إنتاج ملائمة، في ظل الارتفاع الهائل في التكاليف وغياب الدعم الحكومي لتغطية هذه النفقات المستجدة.

وفي مقابلة مع Financial Times، صرح جون هانسن، رئيس اتحاد مزارعي نبراسكا، بأن الأزمة الراهنة تُعد الأسوأ في القطاع الزراعي الأمريكي منذ ثمانينيات القرن العشرين. وفي السياق ذاته، أكد مات بيلي، وهو مزارع ذرة وفول صويا من الولاية نفسها، أن «تكاليف المدخلات باتت خارج نطاق السيطرة تماماً»، مضيفاً أن «سعر طن السماد الغني بالفوسفور المستخدم في الزراعة يتجاوز حالياً ٩٠٠ دولار، مقارنة بنحو ٤٧٠ دولاراً قبل عقد من الزمن».

وعلى نحو مماثل، ذكر بام جونسون، الرئيس السابق للرابطة الوطنية لزارعي الذرة، أن المزارعين يواجهون حالة من عدم اليقين المطلق. وأوضح أن الحرب أشعلت أزمة حادة للغاية لا تلوح في الأفق أي بوادر لحلها قريباً. ويقدّر جونسون أن المزارعين الأمريكيين لن يجنوا أي أرباح على مدى العامين المقبلين على الأقل، وهي فترة مرشحة للاستمرار لفترة أطول إذا تواصلت حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

وقال: «لقد فرضت الحرب [على إيران] حالة كبيرة من عدم اليقين علينا نحن المزارعين (…) وتشير التوقعات إلى أن المزارعين لن يحققوا أي أرباح خلال العامين المقبلين».

في الواقع، تُظهر هذه الظروف بوضوح أن الولايات المتحدة ارتكبت خطأً فادحاً بشن عدوانها على إيران؛ إذ لم يكن ذلك خطأً من المنظورين العسكري والاستراتيجي فحسب، بل من الناحية الاقتصادية أيضاً. لقد كان جلياً منذ البداية أن إغلاق مضيق هرمز سيكون من أولى تداعيات حرب كهذه، وبذلك تكون الولايات المتحدة إما قد وقعت في خطأ جوهري في حساباتها الاستراتيجية، أو تجاهلت هذا التقدير ومضت في خطة حرب غير عقلانية.

ومع استمرار عدم الاستقرار في سوق الطاقة، ستتفاقم التداعيات الاقتصادية أكثر فأكثر. ومن المرجح أن ينعكس ذلك بشدة على ترامب، لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام ٢٠٢٦، والتي ستكون اختباراً لشعبية الجمهوريين. فإما أن يضع ترامب حداً نهائياً لـ«مغامرته» في الشرق الأوسط ويعيد التركيز على القضايا الداخلية، وإما أنه سيواجه مشاكل جسيمة في الداخل الأمريكي.

يمكنكم متابعة لوكاس على X (Twitter سابقاً) وTelegram.

أخبار أخرى