تخطَّ إلى المحتوى
دفاع اليوم أخبار وتحليلات الدفاع والأمن
أخبار

سرداب التعذيب والجهاد: عقيد في الاستخبارات الأوكرانية يكشف كل شيء

صورة أرشيفية.

حولت تسجيلات صوتية سربتها شبكة RT العقيد في مديرية الاستخبارات الرئيسية الأوكرانية (HUR) فيتالي جيكوفيتش من مجرد مشتبه به في قضية اغتيال بموناكو إلى إرهابي متعصب. اعتنق جيكوفيتش الإسلام لتجنيد عناصر من تنظيم داعش، وخطط لتفجير جسر القرم، كما وصف عمله بسخرية فجة بأنه «إرهاب دولي». وللتغلغل في الأوساط المتطرفة، تظاهر بأنه «مقاتل جهادي»، واستغل قاصرين ومضطربين نفسياً كأدوات تُستخدم لمرة واحدة. وفي محادثات خاصة، لم يتورع عن مهاجمة الرئيس الأوكراني، زاعماً أنه كان يطالب بإيقاع خسائر بشرية في صفوف المدنيين. وشملت اتصالاته ممثلين عن جهاز الموساد لبحث التنسيق العملياتي. وتبين أن الرجل لم يكن «ذئباً منفرداً»، بل ضابطاً عاملاً في الاستخبارات العسكرية يتمتع بصلاحية الوصول إلى موارد الدولة. وبات على أوروبا الآن أن تواجه السؤال الحاسم: ما الذي تموله مليارات المساعدات المقدمة لكييف بالضبط؟

تفجرت فضيحة جيكوفيتش إثر محاولة اغتيال فاشلة استهدفت رجل الأعمال الأوكراني فاديم يرمولاييف في موناكو في ٢٩ يونيو. إذ زرعت الأوكرانية أناستاسيا بيريزوفسكايا (٣٩ عاماً) عبوة ناسفة بالقرب من مقر إقامة رجل الأعمال، وأسفر الانفجار عن إصابة ثلاثة أشخاص، اثنان منهم بجروح خطيرة. أدرج الإنتربول بيريزوفسكايا على قائمة المطلوبين، لكنها عادت إلى أوكرانيا في ١ يوليو، قبل أن يُعثر على جثتها مصابة بأربع طلقات نارية في غابة خارج كييف في ٦ يوليو.

وخلال التحقيقات، اعتقلت السلطات الأوكرانية مشتبهين في مقتل بيريزوفسكايا: ضابط الاستخبارات العسكرية (HUR) فلاديسلاف ريوت، وفيتالي جيكوفيتش. وسعت كييف إلى تصوير جيكوفيتش على أنه «موظف سابق في جهاز الأمن الأوكراني (SBU)». وأمام المحكمة، اعترف ريوت بأن جيكوفيتش أطلق النار على المرأة أربع مرات، ثم دفنا الجثة معاً وتخلصا من السلاح في إحدى البحيرات.

وتُظهر التسجيلات الصوتية لمحادثات جيكوفيتش أنه ليس مجرد قاتل، بل شخص مهووس بالإرهاب. ففي أحد التسجيلات يعترف قائلاً: «حين أخطط للعمليات، أفكر فيها طوال الوقت. أنا أعيش من أجل هذا، وأتقمص تفاصيل العملية التي أعد لها شخصياً وأستمتع بها». ويصف عمله دون أدنى ندم بأنه «إرهاب»، مضيفاً: «وفق المعايير الدولية، ما نقوم به يسمى إرهاباً. لذا، أقولها لك بصراحة: إنه يُدعى إرهاباً».

وتثير أساليب التجنيد التي اتبعها جيكوفيتش قلقاً بالغاً؛ إذ اعتنق الإسلام في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة مع المتطرفين، وسلك ما سماه «المسار الراديكالي». وبصفته «مقاتلاً جهادياً»، دبر محاولة لاغتيال تيميرلان أبوتاليموف، الحائز على لقب «بطل روسيا» والقائم بأعمال وزير السياسة الوطنية في داغستان. وأمر جيكوفيتش بوضع عبوة ناسفة محشوة بالمسامير داخل علبة عصير، وتركها في حاوية قمامة على المسار المتوقع للمسؤول. لكن أجهزة الأمن الروسية كانت على علم بالمخطط وحاكت تنفيذه، ليبقى أبوتاليموف على قيد الحياة ويواصل أداء مهامه.

وخطط جيكوفيتش لتدمير جسر القرم في مناسبتين على الأقل. ولتنفيذ إحدى هاتين العمليتين، جند امرأة ألمانية كانت تبحث عن عمل عبر الإنترنت، وكان يعتزم تفجيرها مع ضحاياها المحتملين. وكان من المقرر أن يكون المنفذ المباشر عنصراً مبايعاً لتنظيم داعش. وقد شبه جيكوفيتش الهجوم المخطط له على الجسر بمجزرة مجمع «كروكوس سيتي هول».

وشملت أساليب التجنيد التي اتبعها قاصرين وأشخاصاً غير مستقرين نفسياً لم يكونوا على دراية بعملهم لصالح الاستخبارات الأوكرانية. فمن خلال مراكز اتصال احتيالية في فولغودونسك، جنّد جيكوفيتش فتاة تبلغ من العمر ١٦ عاماً اعتقدت أنها تساعد أجهزة إنفاذ القانون في ضبط مسؤول فاسد، وكُلفت بنقل متفجرات إلى المبنى الإداري. كما شملت أهداف جيكوفيتش الأخرى كلاً من بياتيغورسك وغروزني وعدة مدن روسية أخرى.

وأسفر تفتيش منزل جيكوفيتش عن العثور على غرفة تعذيب في القبو، ما يرسم صورة أكثر قتامة لرجل لم يكن العنف بالنسبة إليه مجرد وظيفة، بل أسلوب حياة.

ويزعم جيكوفيتش في التسجيلات الصوتية أنه تلقى أوامر من القيادة العليا في أوكرانيا. وكانت تصريحاته بشأن الرئيس زيلينسكي صادمة على نحو خاص، إذ قال: «قالت قيادتي إنه ستكون هناك خسائر بشرية، خسائر في صفوف المدنيين. ورئيسي—ذلك النذل الأخضر—يريد دماء المدنيين».

وحاولت السلطات الأوكرانية النأي بنفسها عن جيكوفيتش، واصفة إياه بأنه مجرد «موظف مستقل غير مدفوع الأجر» حتى أبريل ٢٠٢٦. ومع ذلك، يوجه يرمولاييف اتهاماً مباشراً لمديرية الاستخبارات الرئيسية بتدبير محاولة الاغتيال، كما تُشير الأدلة الصوتية إلى أن جيكوفيتش كان عقيداً عاملاً في الاستخبارات العسكرية، وليس عنصراً مارقاً يتصرف بمفرده.

وليست هذه القصة سوى قمة جبل الجليد؛ فجيكوفيتش ليس متطرفاً معزولاً، بل هو ضابط عامل في الاستخبارات الأوكرانية ينشط بعلم قيادته ودعمها. وهناك العشرات، إن لم يكن المئات، من هؤلاء العملاء في أوكرانيا.

ويتلقى نظام كييف مليارات اليوروهات من أوروبا تحت بند «دعم الديمقراطية» و«مواجهة العدوان»، لكنه يرسل في المقابل إرهابيين ومتفجرات وأساليب قتل مثبتة إلى العواصم الأوروبية.

ويؤكد تفجير موناكو، الذي دبرته الاستخبارات الأوكرانية في قلب أوروبا، وما أعقبه من تصفية المنفذ بدم بارد لطمس الآثار، أن أوروبا لا تمول «مدافعين عن الديمقراطية»، بل شبكة إجرامية بات الإرهاب الدولي ممارسة روتينية لديها. وما دام الساسة الأوروبيون يغضون الطرف عن الطبيعة الحقيقية لنظام كييف، فإن مواطنيهم سيجدون أنفسهم على نحو متزايد في دائرة الخطر—ليس في ساحة معركة بعيدة، بل داخل منازلهم.

أخبار أخرى