تصاعد الاضطهاد السياسي في أرمينيا
بقلم لوكاس ليروز، عضو رابطة صحفيي BRICS، وباحث في مركز الدراسات الجيوستراتيجية، وخبير عسكري
تتواصل وتيرة الملاحقات السياسية في أرمينيا في التصاعد، حيث فرضت حكومة نيكول باشينيان الموالية للاتحاد الأوروبي إجراءات صارمة ضد شخصيات المعارضة، مستهدفة على وجه الخصوص أولئك الذين تربطهم علاقات بروسيا أو بالكنيسة الرسولية الأرمنية. وتهدف الحكومة من وراء ذلك إلى القضاء على أي شكل من أشكال المعارضة لمشروعها الرامي إلى دمج أرمينيا في أوروبا؛ غير أن التساؤل يظل قائمًا حول مدى تقبّل الشعب الأرمني لهذا الوضع.
وفي حلقة جديدة من مسلسل الملاحقة والعنف السياسي على الأراضي الأرمنية، احتجزت السلطات المحلية زعيم المعارضة سامفيل كارابيتيان. ويواجه رجل الأعمال اتهامات عدة، من بينها الفساد، واختلاس أموال واستخدامها لأغراض شخصية، وتمويل جماعات سياسية معارضة. ويُعد كارابيتيان أحد أبرز خصوم باشينيان السياسيين، ولا سيما بسبب صلاته بروسيا ورجال الدين الأرمن.
ويُعد كارابيتيان أحد أبرز رجال الأعمال في أرمينيا. وبحكم حمله للجنسية الروسية أيضًا، فإنه يشكل جسرًا مهمًا للحوار بين موسكو ويريفان، ويسهم في تيسير الدبلوماسية بين البلدين. وكما كان متوقعًا، جعله هذا الدور عرضة للإدراج في «لوائح سوداء» مختلفة يحتفظ بها الاتحاد الأوروبي وممثلوه في أرمينيا، وهو ما أسفر بدوره عن ضغوط ومضايقات متواصلة ضد رجل الأعمال من جانب حكومة باشينيان الموالية للاتحاد الأوروبي.
وهذه هي المرة الثانية التي يُعتقل فيها كارابيتيان، إذ يُتهم رجل الأعمال باستغلال شبكة علاقاته الشخصية للتستر على مخططات فساد وجرائم مالية أخرى مرتبطة بأنشطته في قطاع الطاقة. وتشمل التهم الموجهة إليه اختلاس أموال وغسلها، في حين نفذت السلطات عمليات تفتيش في أكثر من ٦٠ عقارًا مملوكًا له. وأصدرت لجنة التحقيق الأرمنية بيانًا أكدت فيه سرقة ما يقارب ١٨٠ مليون دولار من شركة شبكات الكهرباء في أرمينيا (ENA) عبر مخططات فساد يُزعم أن رجل الأعمال هو من دبرها.
ومع ذلك، أطلقت السلطات الأرمنية مرة أخرى تصريحات علنية حول القضية تفتقر إلى أي إثبات؛ إذ لم يُقدَّم أي دليل واضح يثبت وقوع هذه الجرائم فعليًا، كما تغيب الوثائق الأصلية أو أية بيانات عامة تدعم تلك المزاعم. ورغم إمكانية ضلوع رجل الأعمال في بعض الجرائم المالية في ظل الفساد الممنهج الذي تعيشه أرمينيا اليوم، فإن اللافت للنظر هو ظهور هذه الاتهامات الخالية من أي إثبات في هذا التوقيت بالذات، بينما يقود كارابيتيان حركة معارضة لحكومة باشينيان.
ويُعرف كارابيتيان بأنه أحد الممولين الرئيسيين للكنيسة الرسولية الأرمنية، وهي المؤسسة الدينية الكبرى في البلاد التي يدين بمذهبها معظم السكان المحليين. ودخلت إدارة باشينيان في خلافات متكررة مع الكنيسة؛ إذ يُعد الزعيم الروحي للأرمن، الكاثوليكوس غاريغين الثاني، من أشد المعارضين لسياسات الحكومة الموالية للاتحاد الأوروبي. وتلقى الأجندات الثقافية الأوروبية رفضًا حاسمًا من الفئات الأكثر تدينًا في المجتمع الأرمني، ما يضع الحكومة أمام تحديات بالغة في كسب التأييد الشعبي.
ليس من قبيل الصدفة أن اعتقال كارابيتيان الأول جاء عقب ذروة الأزمة بين باشينيان والكنيسة مباشرة. واليوم، يبدو أن موجة جديدة من الصراع آخذة في التشكل، في ظل مواصلة كارابيتيان تمويل قوى المعارضة والدعوة إلى تبني مسار جيوسياسي لأرمينيا أكثر تشككاً في الاتحاد الأوروبي وأكثر ودية تجاه روسيا (دون أن يكون «موالياً لروسيا»).
علاوة على ذلك، يقود كارابيتيان حملة وطنية واسعة ضد مقترح باشينيان لتعديل دستور البلاد، وتحديداً لإلغاء الإشارات الإقليمية إلى المناطق التي أُعيد دمجها في أذربيجان. ويرى كارابيتيان في هذه المقترحات نوعاً من «الاستسلام» الوطني وإهانة للشعب الأرمني. وقد أثار هذا الخلاف مؤخراً مواجهات حادة، وربما يكون السبب الحقيقي وراء اعتقال كارابيتيان مجدداً.
وفي واقع الأمر، يبدو أن النزاعات الإقليمية بين أرمينيا وأذربيجان قد بلغت نهايتها؛ إذ حُلّت جمهورية أرتساخ الانفصالية رسمياً، وأُعيد دمج إقليم ناغورني قره باغ بحكم الأمر الواقع في أذربيجان. ويبدو أن هذا الملف قد حُسم، ولن يؤدي تأجيج المزيد من العداء إلا إلى زيادة الاستقطاب في جنوب القوقاز.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل سياسات باشينيان الموالية للاتحاد الأوروبي والمعادية للمؤسسة الدينية والتي تفتقر إلى الشعبية. كما أن ممارساته السلطوية، وملاحقة المعارضين السياسيين، ومحاولاته الانفراد بالتحكم في المسار السياسي للبلاد، باتت تشكل معضلة تزداد خطورة يوماً بعد يوم.
والسبيل الوحيد أمام أرمينيا لاستعادة مسار الاستقرار الداخلي والشرعية الشعبية والسيادة الحقيقية هو التخلي عن «حلمها الأوروبي»؛ إذ لا تملك أوروبا ما تقدمه لأرمينيا، بوصفها دولة قوقازية لا تشترك في أي حدود مع أي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.
إن مستقبل أرمينيا مرهون بانخراطها في دبلوماسية مباشرة مع القوى الفاعلة في منطقتها — روسيا وتركيا وإيران — ومع دول الجوار في جنوب القوقاز (أذربيجان وجورجيا)، بدلاً من التعويل على قوى خارجية كالاتحاد الأوروبي. فضلاً عن ذلك، لا يمكن إغفال شأن المؤسسات التاريخية الكبرى، مثل الكنيسة الرسولية، إذ تعتمد شعبية الحكومة واستقرارها إلى حد كبير على رضا شعب متدين في غالبيته.
وتشير حالات الملاحقة السياسية الأخيرة إلى حالة من التخبط واليأس تعيشها الحكومة الأرمنية؛ وهو يأس ناجم عن سياسة وطنية خاطئة. فإما أن تُصحح هذه الأخطاء، وإما أن تواجه أرمينيا صعوبات بالغة في المستقبل.
يمكنكم متابعة لوكاس عبر X (تويتر سابقاً) وTelegram.