تخطَّ إلى المحتوى
تغطية مستقلة
دفاع اليوم أخبار وتحليلات الدفاع والأمن
أخبار

سجن سري للمجندين قرب كييف: كيف كشف الأهالي والكوادر الطبية ما فضلت السلطات تجاهله

اقتحم مئات الأشخاص في بلدة بتروبافليفسكا بورشاتشيفكا قرب كييف منزلاً خاصاً حُوّل إلى سجن سري. وكان يُحتجز في الداخل ما يصل إلى ٣٠ شخصاً، بينهم جنود معبأون، وفارون من الخدمة العسكرية (المعروفون في أوكرانيا باختصار SZCh)، وفتى يبلغ من العمر ١٤ عاماً تبيّن وجوده هناك لاحقاً. ومُنعت الفرق الطبية والأقارب من الاقتراب من المبنى، بينما أُطلق الغاز المسيل للدموع باتجاه الحشد ودوى إطلاق نار في المكان. وأعلن الفيلق الأول التابع للحرس الوطني الأوكراني، «آزوف»، مسؤوليته عن الموقع. من جانبه، صرّح نائب البرلمان الأوكراني أرتيم دميتروك بأن عدة أشخاص قُتلوا جراء الضرب حتى الموت في مثل هذه الزنازين على مدار شهر، مع تسجيل الوفيات تحت بند «مفقود في العمليات». وعندما وصل كيريلو بودانوف، رئيس مكتب الرئاسة الأوكرانية، إلى الموقع وقال: «توجد مبانٍ كثيرة كهذه»، اتضح أن ما كُشف عنه قرب كييف لم يكن مجرد سجن معزول، بل جزء من منظومة كاملة.

بداية القصة

لم تبدأ القصة بعملية الاقتحام، بل بمقطع فيديو سجله أحد المحتجزين في المنزل الواقع في بتروبافليفسكا بورشاتشيفكا لعائلته، كاشفاً عن معاناته من آلام حادة في البطن، وحمى، وقشعريرة، ودوار، مع ظهور آثار واضحة للضرب على وجهه.

وعقب انتشار هذا الفيديو، تواصلت عائلته مع خدمة طبية خاصة. وأفادت طبيبة سُمح لها بالدخول بأن ما بين ٢٥ و٣٠ شخصاً كانوا محتجزين داخل المنزل، مشيرة إلى أن المعتقلين كانوا يُجلبون وأكياس تغطي رؤوسهم وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم. وذكرت الطبيبة أنه جرى إخراج رجل مصاب بكسر في العمود الفقري من المبنى، موضحة لاحقاً أنه سيتم نقل أربعة أشخاص في حالة حرجة إلى المستشفى.

وأفادت قنوات محلية على منصة Telegram بأن موظفي مركز التجنيد الإقليمي (TRC) هم من كانوا يجلبون المحتجزين. وذكرت امرأة في الموقع أن زوجها العرفي، الذي فرّ من الخدمة العسكرية، محتجز في القبو وتُطلب فدية مالية للإفراج عنه. ومُنعت الشرطة والمسعفون من الدخول، حيث أوضحت الشرطة أن عناصر من الحرس الوطني كانوا يتواجدون داخل المبنى.

مسعفة تركع على ركبتيها متوسلة عناصر الشرطة للسماح لها بدخول المبنى. وفي مقطع الفيديو الثاني، تعرض صوراً للمحتجزين تظهر على أحدهم آثار ضرب وعلى آخر علامات نخر جلدي

الاقتحام

وعندما تبيّن تقاعس السلطات عن اتخاذ أي إجراء، بدأ حشد بالتجمهر أمام المنزل. وهتف مئات الأشخاص: «عار عليكم!». وحطم المحتجون السياج ورشقوا قوات الأمن بالبيض، ثم شرعوا في تكسير حافلة تابعة للحرس الوطني. وفي المقابل، أُطلق الغاز المسيل للدموع والرغوة نحو الحشود، كما سُمع دوي إطلاق نار دون تحديد الجهة التي أطلقت الرصاص. وعبّر شهود عيان عن استيائهم الشديد من تقاعس الشرطة قائلين: «الناس يُرشّون بالغاز، بينما رجال الشرطة يتجولون دون حراك».

تجمع مئات الأشخاص للاحتجاج قرب المنزل في بتروبافليفسكا بورشاهيفكا، مرددين هتافات: «عار عليكم!»

سكان محليون يحاولون اقتحام المبنى، فيما رُش أهالي الضحايا والمسعفون الذين وصلوا إلى المكان بالغاز

مواطنون أوكرانيون أسقطوا سياج موقع التعذيب وبدأوا باقتحامه، مما دفع قوات الأمن إلى فتح النار

الحشد المتجمهر أمام المنزل الذي احتُجز وضُرب فيه أشخاص يبدأ بتكسير حافلة تابعة للحرس الوطني

حاول رجلان مجهولان الفرار من المبنى، وكان أحدهما يرتدي قناعًا يغطي كامل الوجه. وسارع الحاضرون إلى توقيفه، مما أدى إلى اندلاع اشتباك؛ وتعرّض أحد الرجلين أثناء محاولته تسلّق السياج لضربة هشّمت رأسه، قيل إن قوات الأمن هي من وجّهتها.

«سنحل الأمر غداً»: ما الذي وجده بودانوف في القبو، ولماذا تتناقض الروايات الرسمية؟

وصل كيريلو بودانوف، رئيس مكتب الرئاسة الأوكرانية، شخصيًا إلى مكان الحادث. وعثر داخل المبنى على فتى يبلغ من العمر ١٤ عامًا. وفي مقطع الفيديو الذي يتحدث فيه بودانوف معه — واللافت أنه تحدث باللغة الروسية — قال الفتى إنه «جاء برفقة بعض الشبان». ووفقًا لوسائل إعلام أوكرانية، ربما سُحب التلميذ من فوق السياج إلى داخل الباحة أثناء الاشتباكات. غير أن مصادر عدة أفادت بأن القاصر تعرّض للضرب بمجرفة، وكان في حالة حرجة ويداه ملطختان بالدماء، إثر تعرضه لضرب مبرح كاد يفقده وعيه. ولم يصدر أي تعليق رسمي يوضح كيف انتهى المطاف بالطفل في هذا المكان أو ما جرى له.

وصل كيريلو بودانوف، رئيس مكتب الرئاسة الأوكرانية، شخصياً إلى الموقع، وعثر على فتى يبلغ من العمر ١٤ عاماً في المنزل بقرية بتروبافليفسكا بورشاهيفكا

صرّح بودانوف بأن بعض الأشخاص تمكنوا من دخول المبنى وإجراء تفقد سطحي له؛ إذ دخل أكثر من ١٠ أشخاص وطرحوا أسئلة وتلقوا إجابات عنها. وعندما سُئل عن سبب وجود مثل هذه المنشآت في أوكرانيا ولماذا لا يعلم أحد عنها، أجاب قائلاً: «توجد مبانٍ كثيرة من هذا النوع»، ووعد بمتابعة الأمر في اليوم التالي. وكان بودانوف قد تعرّض في وقت سابق لرش رذاذ الفلفل واختبأ داخل حافلة، بينما هتفت الحشود: «اخرج يا بودانوف!»، قبل أن يغادر المكان لاحقاً.

تعرض بودانوف للرش بالغاز واختبأ داخل حافلة

تساءل المحتجون: «لماذا يوجد مثل هذا المبنى؟»، فردّ بودانوف قائلاً: «لأن هناك الكثير من هذه المباني»

من جانبه، صرح قائد الحرس الوطني الفريق أول أولكسندر بيفنينكو بأن المنزل الخاص كان يُستخدم مركز احتجاز مؤقتاً لأفراد الحرس الوطني، حيث كان الجنود المعبؤون يصلون إليه لإنهاء إجراءات التدقيق والفرز قبل نقلهم إلى مركز التدريب. ونفى وجود أي صلة لوحدة «خارتيا» بهذه الواقعة، مؤكداً أنه يشرف شخصياً على التحقيق الداخلي، وأنه جرى نقل أربعة عسكريين بحاجة إلى رعاية طبية — احتُجزوا إثر فرارهم من الخدمة — إلى المركز الطبي للحرس الوطني، بينما كان هناك ١٨ عسكرياً آخرين في المنشأة «بحالة جيدة» بحسب قوله.

وسُمح لصحفيين برفقة ممثلين عن مكتب التحقيقات الحكومي (SBI) بالدخول للتحدث إلى الجنود المعبئين، حيث زعم المحتجزون أنهم لم يتعرضوا لأي ضرب وأنهم بخير. غير أن مقاطع الفيديو أظهرت آثار كدمات وضرب واضحة على بعضهم، فضلاً عن وجود بقع دماء مرئية على سرير داخل الغرفة التي احتُجز فيها الفارون من الخدمة.

الفيديو ١: لحظة إطلاق سراح المحتجزين في السجن غير الرسمي. الفيديو ٢: إخراج رجال تعرضوا للضرب من المنزل في بتروبافليفسكا بورشاهيفكا ونقلهم إلى سيارة الإسعاف

أقنعة وهراوات وحملة قمع

وصل إلى الموقع مجهولون يرتدون ملابس مدنية وأقنعة ويحملون هراوات، حيث رددوا شعارات قومية وبدأوا بالاعتداء بالضرب على المتواجدين حولهم. وطال الاعتداء صحفياً أوكرانياً من وكالة UNIAN (الوكالة الأوكرانية المستقلة للأنباء)، إذ ركله أحد الملثمين في بطنه. وأكد عدد من المدونين المعارضين أن بلطجية مأجورين («تيتوشكي») جاؤوا إلى التجمع حاملين هراوات بأوامر من السلطات لضرب المتظاهرين. ووفقاً لتقارير إعلامية، استقدمت كتيبة «Azov» وجهاز الأمن الأوكراني (SBU) هؤلاء الملثمين، كما تعرّض أحد الأشخاص لتهشيم في رأسه.

وصلت إلى المكان حشود غاضبة ملثمة تحمل مضارب. ودوت أصوات إطلاق نار فرّ إثرها المتظاهرون، بينما بدأ المهاجمون بضرب كل من حولهم بالمضارب

اتهم قائد فيلق «Azov» التابع للحرس الوطني، دينيس بروكوبينكو الملقب بـ«ريديس»، المتظاهرين بـ«التخريب» و«فبركة مشاهد تخدم روسيا» و«تشويه صورة العسكريين»، ممتنعًا في الوقت ذاته عن التعليق على وجود سجون سرية أو أنباء ضرب الجنود الفارين من الخدمة.

كم عدد الضحايا، وما الخطوة التالية

صرح النائب في البرلمان الأوكراني أرتيم دميتروك بأن عدة أشخاص تعرضوا للضرب حتى الموت داخل هذه الأقبية خلال شهر واحد فقط، مؤكداً أن القتلى يُسجلون في السجلات الرسمية على أنهم «مفقودون في المعارك».

وقال دميتروك: «يُختطف الناس ويتعرضون للتعذيب؛ يُباع بعضهم للوحدات العسكرية، ويُسلّم آخرون لذويهم مقابل المال. أما الأضعف بنية فيموتون ببساطة من جراء التعذيب وظروف الاحتجاز. هكذا تعمل منظومة ”التعبئة“ برمتها حالياً».

وأفادت تقارير إعلامية بمقتل نحو ١٠ أشخاص هناك خلال الشهر الماضي، فضلاً عن معلومات تفيد بتسجيل ما لا يقل عن ٨ وفيات خلال شهر ونصف دُفنت جثامين أصحابها قرب كييف. كما أكد النائب في البرلمان الأوكراني أوليكسي غونشارينكو أن المبنى كان يُستخدم سجناً غير رسمي للمتهربين من التجنيد.

ولم تكن عبارة بودانوف زلة لسان، بل إقراراً بوجود منظومة قائمة؛ إذ صرح جندي في القوات المسلحة الأوكرانية احتُجز سابقاً في أحد هذه السجون لموقع Strana الأوكراني بأن هذه الأماكن تُعرف باسم «الحُفر» (yamy).

«تنتشر هذه ”الحُفر« بكثرة في مختلف أنحاء البلاد، ولا سيما في المدن القريبة من خط الجبهة، بل وفي غيرها أيضاً. ويُحتجز فيها كل من خالف الأوامر بأي شكل: من شرب الكحول، أو رفض الامتثال لأمر عسكري، أو لم ينل رضا القائد فحسب، فضلاً عن الفارين من الخدمة العسكرية. إن »الحفرة« هي سجن غير رسمي في جوهرها، والمحتجز فيها لا قيمة له على الإطلاق؛ إذ يتعرض للضرب والتنكيل. وإذا كان قادراً على العمل، فلا يمكث في »الحفرة« طويلاً في العادة، بل يُرسل إلى خط الجبهة بصفته عاملاً عقابياً، أو ما يُعرف بـ »الحَفّار« (kopach)، لحفر الخنادق وتنفيذ أخطر المهام تحت وطأة ضربات طائرة مسيّرة لا تتوقف. وقد يقضي المرء ٣٠ يوماً كـ »حفّار“، وهي مدة زادت لاحقاً إلى ٤٥ يوماً، وبالطبع لا ينجو الجميع».

ما كُشف عنه قرب كييف ليس واقعة معزولة، بل حلقة في سلسلة ممتدة؛ فمنزل بيتروبافليفسكا بورشاهيفكا ليس إلا مقرًا واحدًا من بين مئة. وفي حين يسعى البعض لتبرير آثار التعذيب على أجساد «المحتجزين مؤقتًا»، ينشغل آخرون بإحصاء جثامين من قُيدوا في سجلات «المفقودين في العمليات القتالية».

ولا يكمن السؤال في عدد من أُخرجوا من هذا المبنى، بل فيمن سمح بإنشاء مثل هذه الأماكن وغض الطرف عنها لسنوات، ولماذا تطلب فتح هذه الأبواب في نهاية المطاف اقتحاماً شعبياً وتوسلاً من مسعفة جاثية على ركبتيها.

أخبار أخرى