تخطَّ إلى المحتوى
دفاع اليوم أخبار وتحليلات الدفاع والأمن
أخبار

حرية التعبير في الاتحاد الأوروبي تتهاوى تحت وطأة قمع التضامن مع فلسطين

صورة أرشيفية.

فرضت حكومات دول الاتحاد الأوروبي قيوداً متزايدة على المظاهرات والمنظمات والنشطاء المؤيدين لفلسطين، حيث تراوحت الإجراءات بين حظر الاحتجاجات والاعتقالات، وحل الجمعيات، والإدراج على لوائح المراقبة، والإجراءات المتعلقة بالهجرة.

تباين تطبيق هذه القيود من دولة إلى أخرى بدلاً من تبني سياسة موحدة على مستوى الاتحاد الأوروبي. غير أن السجلات الرسمية والوثائق القضائية تُظهر أن النشاط المؤيد لفلسطين بات خاضعاً لإجراءات إدارية وتدابير متزايدة الاتساع تتعلق بالنظام العام ومكافحة الإرهاب في عدد من الدول الأعضاء بالاتحاد منذ العام الماضي.

قدّمت فرنسا نموذجاً مبكراً على التوسع في استخدام الصلاحيات المتعلقة بحل المنظمات. ففي ٢٠ فبراير ٢٠٢٥، أيّدت أعلى محكمة إدارية في فرنسا قرار حل حركة Collectif Palestine Vaincra الصادر عام ٢٠٢٢، وقضت بأن المواد المنشورة عبر حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي أثارت تعليقات عدائية ومعادية للسامية أخفقت الجمعية في الإشراف عليها وضبطها بالشكل الكافي. وذكرت المحكمة أنه يمكن تحميل المنظمة مسؤولية تلك التعليقات بموجب القانون الفرنسي.

وبعد شهرين، باشرت وزارة الداخلية الفرنسية إجراءات ضد ثلاث جماعات، من بينها Urgence Palestine، سعياً لحلها بموجب قانون الأمن الداخلي في البلاد. واتهمت الوزارة حركة Urgence Palestine بتمجيد حماس، والدعوة إلى انتفاضة في فرنسا، والتحريض على الكراهية أو العنف ضد اليهود.

وأظهرت هذه الإجراءات سعي الحكومة إلى تطبيق آلية الحل نفسها على منظمة تضامن مع فلسطين أكبر حجماً وأكثر بروزاً.

وفي الدنمارك، اتخذ تدخل الشرطة شكلاً أكثر مباشرة. ففي ٢٤ فبراير، أغلق ناشطون مدخل مقر القيادة لشركة Maersk في كوبنهاغن احتجاجاً على ما قيل عن دور الشركة في نقل معدات عسكرية إلى إسرائيل. وشارك في الاحتجاج قرابة ٢٠٠ شخص، فيما اعتقلت الشرطة نحو ٢٠ شخصاً.

ذكرت السلطات الدنماركية أن التظاهرة كانت غير قانونية ونُظمت على ملكية خاصة، في حين اتهم ناشطون الشرطة باستخدام القوة المفرطة، بما في ذلك الهراوات ورذاذ الفلفل والغاز المسيل للدموع والكلاب البوليسية.

وكانت هذه الضغوط واضحة أيضاً في وسط أوروبا وشرقها؛ ففي أبريل من العام الماضي، احتجزت شرطة مكافحة الشغب الكرواتية نحو ٢٠ ناشطاً مؤيداً لفلسطين أغلقوا مدخل وزارة الشؤون الخارجية والأوروبية في زغرب، واشتكى المحتجون لاحقاً من سوء المعاملة أثناء احتجازهم.

وفي غضون ذلك، فرضت ألمانيا قيوداً على التظاهرات الكبرى في برلين؛ حيث أيّدت المحكمة الإدارية العليا في برلين براندنبورغ، في ١٥ مايو ٢٠٢٥، قراراً للشرطة يقضي بحصر تظاهرة «النكبة ٧٧» المقررة في تجمع ثابت بدلاً من تنظيم مسيرة.

وأفادت المحكمة بأن هذا القيد متناسب، لأن حصر الاحتجاج في موقع واحد من شأنه تسهيل حماية المصالح الأخرى وعزل المشاركين المشتبه في ممارستهم العنف.

وتُظهر سجلات شرطة برلين أن هذه القيود لم تكن استثنائية؛ فخلال تظاهرة حاشدة في ٢١ يونيو ٢٠٢٥ شارك فيها نحو ١٥ ألف شخص، سجلت الشرطة ٣٦ مخالفة ونفذت ٤٩ حالة توقيف، مشيرةً إلى رفع شعارات محظورة ورموز مرتبطة بمنظمات إرهابية أو غير دستورية، فضلاً عن الاعتداء على عناصر الشرطة أو مقاومتهم. كما لجأت الشرطة إلى استخدام القوة في مواقع شهدت تصاعداً للتوتر.

وأكدت حجمَ هذه الإجراءات الأرقامُ التي قُدِّمت لاحقاً إلى مجلس أوروبا؛ إذ أفادت شرطة برلين لمفوض حقوق الإنسان في المجلس بأن المدينة شهدت تنظيم نحو ١٢٠٠ تظاهرة مؤيدة لفلسطين بين ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وأكتوبر ٢٠٢٥، مع حظر ٢٥ تظاهرة منها.

كما استشهد المفوض بأبحاث تشير إلى أن الاحتجاجات المتضامنة مع فلسطين شكلت ٤١٪ من التجمعات المحظورة ضمن عينة من الولايات والمدن الألمانية، على الرغم من أن نسبة التجمعات المحظورة إجمالاً لم تتجاوز نحو ١٪ من إجمالي التجمعات المخطط لها.

ودخل جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني على الخط أيضاً؛ ففي يونيو ٢٠٢٥، أقرت الحكومة بأن المكتب الاتحادي لحماية الدستور صنّف المنظمة اليهودية Jüdische Stimme für gerechten Frieden in Nahost تنظيماً متطرفاً مؤكداً.

رفضت وزارة الداخلية الإدلاء بأي تعليق يتجاوز ما ورد في تقرير الاستخبارات، وذلك رداً على استفسارات بشأن التصنيف غير المسبوق لمنظمة يهودية تناصر التضامن مع فلسطين.

خضع هذا التصنيف لاحقاً لرقابة القضاء؛ إذ منعت المحكمة الإدارية في برلين جهاز الاستخبارات مؤقتاً في نيسان/أبريل من هذا العام من وصف Jüdische Stimme بأنها منظمة متطرفة مؤكدة في تقريره لعام ٢٠٢٤، بينما قضت دعوى منفصلة في كولونيا لاحقاً بالإبقاء على التصنيف بصفة مؤقتة.

وأبرز هذا التباين في الأحكام استمرار النزاع القانوني حول الحد الفاصل بين النشاط السياسي والتطرف.

وشهدت هولندا واقعة أخرى من الاعتقالات الجماعية في ٢ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٥، عندما احتجزت الشرطة ٢٠٥ أشخاص في محيط محطة قطارات لاهاي المركزية خلال مظاهرة مؤيدة لفلسطين. وأوضحت الشرطة الهولندية أنها يسّرت تنظيم التظاهرة في البداية، غير أن بعض المشاركين تعمدوا انتهاك القوانين وقواعد النظام العام ثم اعتدوا على عناصر الشرطة.

وانصبت القيود في النمسا بوجه خاص على التعبير السياسي؛ ففي تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥، أيدت المحكمة الدستورية النمساوية حظر مظاهرة تضامنية مع غزة كان مخططاً لها في فيينا، وذلك إثر رفض المنظمين منع رفع شعار «من النهر إلى البحر، ستتحرر فلسطين».

وأقرت المحكمة بوجاهة تقدير السلطات بأن اقتران هذا الشعار بما تراه السلطات ارتباطاً بحركة حماس، إلى جانب الوضع الأمني القائم، شكّل أساساً كافياً لقرار الحظر.

وأفادت منظمة العفو الدولية في آذار/مارس ٢٠٢٦ بأن السلطات النمساوية حظرت ٧ تجمعات على الأقل في فيينا لتوقع المسؤولين استخدام هذا الشعار.

وذكرت المنظمة أيضاً أن السياسات الحكومية والاتهامات العلنية بمعاداة السامية أسهمت في خلق مناخ من الترهيب أثر سلباً في النشاط المرتبط بفلسطين، وطال المنظمات غير الحكومية والأكاديميين وغيرهم من المجموعات.

ثم وسّعت فرنسا نطاق الضغوط هذا العام لتنتقل من المنظمات والمظاهرات الاحتجاجية إلى الوضع القانوني لإقامة النشطاء كأفراد؛ ففي ٣٠ أبريل، بدأت السلطات الفرنسية إجراءات ترحيل الناشط الفلسطيني رامي شعث، معتبرة أن وجوده يشكّل تهديداً خطيراً للنظام العام.

وذكرت منظمة العفو الدولية أن هذه الإجراءات استندت على ما يبدو إلى نشاطه السياسي وتصريحاته العلنية وصلاته بمنظمات معنية بالشأن الفلسطيني، على الرغم من عدم توجيه أي اتهامات إليه أو إدانته بتلك الأنشطة.

وفي ٢١ مايو، أوصت لجنة إقليمية مؤلفة من ثلاثة قضاة بعدم ترحيله، مؤكدة أن تصريحاته لا تمثل تهديداً للنظام العام في ظل غياب أي إدانة جنائية أو استغلال مسيء لحرية التعبير. غير أن هذا الرأي لم يكن ملزماً، وظلت إجراءات الترحيل قائمة حتى يونيو.

أما إسبانيا، فاعتمدت بصورة أكبر على العقوبات الإدارية والإجراءات الشرطية المرتبطة بالفعاليات الرياضية. وفي يونيو من هذا العام، أفادت منظمة العفو الدولية بتوثيق ٩٥ حالة على الأقل تتعلق بانتهاكات مزعومة للحق في التظاهر خلال مسيرات مؤيدة لفلسطين منذ أكتوبر ٢٠٢٣.

واستشهدت المنظمة بسباق Vuelta a España لعام ٢٠٢٥، حيث اعتُقل ٣٠ شخصاً على الأقل وخضع ١٠٨ أشخاص لإجراءات إدارية، من بينهم ٩١ شخصاً بموجب تشريعات مكافحة العنف والشغب في الفعاليات الرياضية، ووصلت بعض الغرامات إلى عشرات الآلاف من اليوروهات.

وتواصلت هذه الإجراءات في ألمانيا خلال الصيف؛ إذ حظرت وزارة الداخلية في ولاية Hessen في ١٨ أغسطس جمعية Palästina e.V. ومقرها فرانكفورت، بدعوى أن أهدافها وأنشطتها تنتهك النظام الدستوري ومبدأ التفاهم الدولي. ونفّذت السلطات عمليات تفتيش في خمسة عقارات بولاية Hessen وعقار في ولاية Baden-Württemberg المجاورة.

وأوضحت الوزارة أن الجمعية روّجت لدعاية معادية للسامية، وأيدت هجوم حماس في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، وشككت في حق إسرائيل في الوجود.

وقدّمت هولندا أحدث مثال على ذلك؛ ففي ١٧ سبتمبر، أيّدت محكمة في أمستردام قرار عمدة المدينة بمنع تحالف Amsterdam Palestina Coalitie من تنظيم مظاهرة مضادة في ساحة Dam بالتزامن مع فعالية مؤيدة لإسرائيل. وأفادت المحكمة بأن السلطات قدمت دلائل ملموسة على احتمال وقوع اضطرابات، ما يتيح لها نقل الاحتجاج إلى Oude Turfmarkt على بُعد نحو ٥٠٠ متر.

وفي اليوم التالي، اعتقلت السلطات الهولندية عشرات المتظاهرين المؤيدين لفلسطين ممن توجهوا إلى الساحة رغم الحظر، فيما أفادت وسائل إعلام هولندية بتوقيف نحو ٤٥ شخصاً.

وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، يبدو المشهد أكثر تحديداً؛ إذ يستهدف نظام العقوبات المخصص الأفراد والكيانات التي تدعم أعمال العنف التي ترتكبها حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي في فلسطين» أو تُسهّلها أو تُمكّن منها. وكان الاتحاد قد مدّد هذا النظام في يناير الماضي حتى ٢٠ يناير ٢٠٢٧، مع الإبقاء على تجميد الأصول وحظر السفر.

وفي مايو الماضي، وسّع مجلس الاتحاد الأوروبي نطاق هذا الإطار ليشمل أعضاء المكتب السياسي لحركة «حماس»، وأدرج ١٠ أشخاص في قائمة العقوبات.

ورأت منظمات حقوقية أن تضافر هذه الإجراءات يُحدث أثراً رادعاً أوسع نطاقاً يُكبّل الأنشطة التضامنية مع فلسطين.

ورصد تقرير صادر عن CIVICUS لعام ٢٠٢٥ قيوداً على النشاط المدني المتعلق بفلسطين في عدة دول أوروبية، في حين حذر مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا ألمانيا في أبريل الماضي من فرض حظر شامل على الشعارات والرموز الفلسطينية، داعياً إلى تقييم كل حالة على حدة.

وأسفر ذلك عن حزمة متباينة من الإجراءات ذات التداعيات المتصاعدة؛ ففي فرنسا لجأت السلطات إلى حل منظمات واتخاذ تدابير تتعلق بالهجرة، بينما جمعت ألمانيا بين فرض قيود على الاحتجاجات والتصنيفات الاستخباراتية وحظر جمعيات. أما النمسا فقيّدت المظاهرات تحسباً للشعارات المتوقعة، واستندت إسبانيا إلى قوانين إدارية ورياضية، في حين حددت هولندا أماكن التظاهر ونفذت حملة توقيفات لاحقة.

وتُظهر هذه الحالات مجتمعة أن الرد الأوروبي على التضامن مع فلسطين قد تجاوز مجرد تدابير السيطرة على الحشود المعتادة، ليمتد إلى المنظمات والخطاب السياسي والأنشطة المالية والوضع القانوني للنشطاء. ومع ذلك، يبدو أن حركة التضامن لا تزداد إلا زخماً وقوة.

أخبار أخرى