القوات الخاصة الروسية تثير موجة ذعر جديدة في الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي
صورة تعبيرية.
أعربت بولندا وليتوانيا ولاتفيا علناً عن مخاوفها من احتمال شن روسيا عمليات هجينة أو عمليات راية زائفة ضد دول حلف شمال الأطلسي، بما في ذلك سيناريوهات قد يؤدي فيها توغل محدود إلى إثارة حالة من عدم اليقين بشأن طبيعة رد الحلف.
صرّح رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك في ١٧ سبتمبر بأن تقديرات الاستخبارات تشير إلى أن روسيا قد تستعد لشن هجمات هجينة باستخدام طائرات مسيّرة أو صواريخ على دول أوروبية داعمة لأوكرانيا، من بينها بولندا.
وقال توسك أمام البرلمان: «ثمة خطر حقيقي يتمثل في دخول طائرات مسيّرة أو مقذوفات من أنواع أخرى أراضي دولة أو أكثر في الجناح الشرقي، بل وإحداث دمار فيها».
وأشار إلى أن روسيا قد تُصوِّر الهجوم بعد ذلك على أنه حادث عرضي، سعياً منها إلى «شلّ عزيمة دول حلف شمال الأطلسي، أو على الأقل إضعاف دافعها» للدفاع عن أي حليف.
وأوضح توسك أن هذه التحذيرات تستند إلى معلومات استخباراتية من حلف شمال الأطلسي وأوكرانيا والولايات المتحدة، بما فيها CIA، غير أنه لم يكشف عن تفاصيل تلك المعلومات للعلن.
ومن جانبه، صرّح وزير الخارجية الليتواني كستوتيس بودريس في اليوم التالي بأن ليتوانيا تلقت المعلومات ذاتها التي وصلت إلى دول أخرى في المنطقة.
ونقل موقع Delfi عن بودريس قوله: «أردت التأكد من أننا نتحدث عن الأمر ذاته. تملك ليتوانيا المعلومات نفسها؛ وناقشنا هذا الاحتمال بوصفه عملية تمويه وراية زائفة محتملة من جانب روسيا».
وجاءت هذه التصريحات عقب سلسلة من حوادث الطائرات المسيّرة المزعومة مؤخرًا بالقرب من أراضي حلف شمال الأطلسي، وتجدد المخاوف في أوروبا الشرقية بشأن الأنشطة الروسية السرية.
وتناول الرئيس اللاتفي إدغارس رينكيفيتش سيناريو أكثر تحديدًا يخص القوات الخاصة الروسية، مشيرًا إلى أن المسؤولين يتعاملون بجدية مع احتمال وقوع «توغل محدود للقوات الخاصة الروسية» داخل أراضي حلف شمال الأطلسي، يعقبه خلاف بشأن كيفية تطبيق المادة ٥.
وقال رينكيفيتش: «يتردد كثيرًا الحديث عن غزو محدود تشنه قوات خاصة روسية لأراضي دول الحلف وشل تفعيل المادة ٥ لحلف شمال الأطلسي. هذا السيناريو يؤخذ أيضًا على محمل الجد».
وفي الوقت ذاته، أوضح رينكيفيتش أن لاتفيا لا ترى أدلة على غزو روسي تقليدي وشيك، وأن أي جهاز استخبارات لم يطرح علنًا معلومات ملموسة حول عملية من هذا النوع.
وذكر رئيس الاستخبارات التشيكية ميخال كوديلكا لصحيفة The Guardian أن العملية الروسية المحتملة قد تنطوي على «توغل محدود، واستفزازات تحت راية زائفة، وحملة تأثير واسعة النطاق». وأوضح أن سيناريو كهذا قد يتبلور في غضون «أشهر، لا سنوات»، مؤكدًا أن المسؤولين يعملون على الحيلولة دون وقوعه.
لكن رئيس جهاز أمن الدولة اللاتفي، نورموندس ميزفيتس، بدا أكثر حذرًا حيال مدى واقعية هذه التحذيرات.
وصرح لصحيفة The Guardian قائلًا: «لا نرى مؤشرات على هجوم وشيك»، لافتًا إلى أنه لم يتضح بعد ما إذا كانت الاستعدادات الروسية تمثل خططًا عملياتية ملموسة أم مسعى أوسع لبث الخوف وحالة من عدم اليقين.
في غضون ذلك، صرّح رئيس الاستخبارات العسكرية السويدية توماس نيلسون بأن موسكو قد تسعى لاستغلال الانقسامات داخل حلف شمال الأطلسي.
وقال: «أعتقد أن موسكو تودّ لو يغرق حلف شمال الأطلسي في نقاشات لا تنتهي بشأن مشاورات المادة ٤ دون التوصل إلى أي إجراءات فعلية».
ولا تثبت هذه التصريحات العلنية اتخاذ روسيا قراراً بتنفيذ أي عملية أو أن هناك هجوماً وشيكاً على حلف شمال الأطلسي. وتنص المادة ٥ على اعتبار أي هجوم مسلح ضد دولة عضو في حلف شمال الأطلسي هجوماً على الجميع، لكنها لا تفرض رداً متطابقاً في كل حادثة، إذ يحدد الحلفاء الإجراء الذي يرونه ضرورياً لكل حالة.
ورفضت روسيا التلميحات التي تفيد بأنها تستعد لمهاجمة حلف شمال الأطلسي. وأكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن التقارير حول هذه الخطط «لا تمت للواقع بصلة» و«لا علاقة لها إطلاقاً بنوايا روسيا الاتحادية».
وتأتي هذه التحذيرات في ظل تصاعد القلق في أوروبا إزاء احتمال نشوب مواجهة أوسع نطاقاً مع روسيا، تزامناً مع تعرض أوكرانيا لضغوط عسكرية متزايدة. وبات القادة الأوروبيون يربطون هذه المخاوف باستمرار الدعم العسكري لكييف أو توسيعه. وعلى سبيل المثال، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، عقب غارة روسية نُفذت مؤخراً قرب الحدود البولندية، إن الرد يجب أن يكون «مزيداً من الدعم لأوكرانيا».
وأثارت هذه التحذيرات المتكررة تساؤلات حول أبعادها السياسية؛ فبينما تؤكد الحكومات أن هذه التقديرات تنطلق من هواجس أمنية حقيقية، فإن التشديد على احتمالية استهداف روسيا لحلف شمال الأطلسي قد يسهم أيضاً في تعزيز التأييد الشعبي داخل أوروبا لمواصلة إمداد أوكرانيا بالمساعدات أو زيادة وتيرتها.