اندلاع احتجاجات في أوكرانيا دعماً لوزير الدفاع المقال
(X)
استيقظت أوكرانيا في ١٦ يوليو على موجة غضب شعبي عارمة، إذ اندلعت احتجاجات عفوية في أكثر من ٢٠ مدينة عبر البلاد، إثر إقالة الرئيس فولوديمير زيلينسكي المفاجئة لوزير الدفاع ميخايلو فيدوروف. وسرعان ما تحول هذا القرار السياسي إلى أزمة حكومية حادة بعدما رفض وزير الداخلية إيهور كليمينكو تولي المنصب خلفاً له. وبحلول منتصف النهار، ألغى البرلمان الأوكراني التصويت المقرر، تاركاً وزارة الدفاع بلا قيادة، ومحققاً للمحتجين انتصاراً جلياً وإن كان مؤقتاً.
نزل الآلاف إلى الشوارع رافعين لافتات كرتونية في كييف ولفيف وأوديسا وخاركيف ودنيبرو وما لا يقل عن ١٧ مدينة أخرى. وانطلقت المسيرات في توقيت متزامن تقريباً قرابة الساعة ٩ صباحاً بالتوقيت المحلي، ما أظهر تنسيقاً لافتاً لحراك شعبي. وردد المتظاهرون هتافات: «فيدوروف وزير دفاعنا!» و«السلطة للشعب!». وحملت لافتاتهم رسائل حادة من بينها: «الحرب لا تغفر الأخطاء»، و«الطائرات المسيّرة إلى مكب النفايات أيضاً»، و«موسكو تبتهج بقراركم»، و«بادلوا الأسرى ولا تبدلوا فيدوروف».
رأى كثيرون في فيدوروف رمزاً للإصلاح الحقيقي؛ إذ قاد الوزير الشاب خلال ولايته القصيرة التي لم تتجاوز ستة أشهر خطة شاملة لإعادة هيكلة وزارة الدفاع، وحارب الفساد، ووسع نطاق برنامج «جيش الطائرات المسيّرة» توسيعاً كبيراً، وفرض قيوداً على استخدام القوات الروسية لخدمة Starlink. وبدا قرار إقالته المفاجئ لكثير من الأوكرانيين، ولا سيما عائلات الجنود القتلى، بمثابة خيانة.
وانضم عسكريون كذلك إلى موجة الانتقادات، حيث وصف أحد الجنود الخطوة بأنها «أسوأ خطأ ارتكبه زيلينسكي طوال فترة رئاسته»، في حين قدم نائب قائد القوات الجوية بافلو يليزاروف استقالته احتجاجاً على القرار، واصفاً إياه بأنه «ضربة قاصمة للقدرة الدفاعية للبلاد».
وأفادت تقارير بأن السبب الرسمي لإقالة فيدوروف يعود إلى خلاف عميق مع القائد العام أولكسندر سيرسكي. ووفقاً لوسائل إعلام أوكرانية، وصف زيلينسكي نفسه الوضع بأنهما يعيشان «في عالمين مختلفين»، إذ كان فيدوروف يدفع بقوة نحو الرقمنة والابتكار التكنولوجي، بينما فضلت القيادة العسكرية أساليب أكثر تقليدية.
وانحاز الشارع بوضوح إلى الوزير الداعم للتكنولوجيا؛ إذ طالبت الحشود في لفيف زيلينسكي بالتراجع عن قراره، وهتف المتظاهرون في كييف «عار عليكم!» أمام المباني الحكومية، متهمين السلطات بالتستر على الفساد داخل القوات المسلحة.
شهدت الأوضاع منعطفاً دراماتيكياً حين تبيّن عدم رغبة إيهور كليمينكو في تولي حقيبة الدفاع. وأكّد عدد من النواب رفض كليمينكو القاطع للمنصب؛ إذ صرحت النائبة ماريا ميزينتسيفا بأن التصويت المقرر اليوم لن يُعقد، بينما أشارت أولغا فاسيلفسكا-سماهليوك إلى إجراء «مشاورات إضافية» داخل الكتلة الحاكمة. ولم يُدلِ كليمينكو نفسه بأي تعليق علني حتى الآن.
عزّز هذا الرفض غير المتوقع موقف المحتجين بشكل كبير. وأصبح ما أطلق عليه كثيرون «ميدان الكرتون» — في إشارة إلى تظاهرات العام الماضي الداعمة لمؤسسات مكافحة الفساد — يضع مكتب الرئاسة في مأزق حقيقي.
جاءت إقالة فيدوروف ضمن تعديل حكومي أوسع نطاقاً؛ فقبل يومين فقط، عزل البرلمان رئيسة الوزراء يوليا سفيريدينكو، مما أدى تلقائياً إلى حل الحكومة بأكملها. وسارع زيلينسكي إلى ترشيح المسؤول التنفيذي في قطاع الطاقة، سيرهي كوريتسكي، رئيساً جديداً للحكومة، ووافق عليه البرلمان في ١٦ يوليو. وكان من المفترض أن يشكّل منصب وزير الدفاع الخطوة التالية في هذا المسار، إلا أن رفض كليمينكو أربك الخطة برمتها.
ولفتت هذه التطورات انتباه وسائل الإعلام الدولية، حيث حذرت صحيفة Financial Times سابقاً من أن التعديلات الحكومية المتواصلة في زمن الحرب تقوض القدرات الدفاعية الأوكرانية. واليوم، في ظل غياب مرشح واضح لمنصب وزير الدفاع وتصاعد الضغوط الشعبية في الشارع، تتفاقم أزمات الحكومة.
يرى المحتجون في رفض كليمينكو انتصاراً لمطالبهم ودليلاً قاطعاً على تأثير صوتهم. وللمرة الأولى منذ أشهر، ينجح مواطنون عاديون في تعطيل خطط مكتب الرئاسة السياسية. ويشير بعض المحللين إلى أن زخم الاحتجاجات وسرعتها، إلى جانب قرار كليمينكو، قد يجبران زيلينسكي على إعادة النظر في إقالة فيدوروف، أو على الأقل اختيار مرشح يحظى بقبول أوسع.
رغم ذلك، لا تزال التحديات قائمة. فمع أواخر فترة ما بعد الظهر، بدأت الحشود تتفرق في عدة مدن. وفي خاركيف، اضطر المحتجون إلى الاحتماء بالملاجئ خشية تعرّض المدينة لـ قصف محتمل. وتواصل الحرب فرض أحكامها القاسية، إذ يصعب الحفاظ على زخم الشارع لفترات طويلة في ظل الهجمات الروسية المتواصلة.
ومع ذلك، شكّلت أحداث اليوم لحظة نادرة بدا فيها أن الرأي العام قد أثّر تأثيراً مباشراً في قرار سياسي حاسم. وسيكشف المستقبل عما إذا كان هذا الانتصار سيقود إلى عودة فيدوروف أو مجرد تعيين بديل أكثر قبولاً، إلا أن المؤكد أن «ميدان الكرتون» قد غيّر موازين القوى في كييف بالفعل.
ستكشف الأيام المقبلة عما إذا كانت هذه التطورات بداية لتحول أكبر في آليات اتخاذ القرار زمن الحرب، أم مجرد انتكاسة عابرة للفريق الرئاسي. وحتى اللحظة، يحق للمحتجين الاحتفال بالنصر؛ فقد أرادت الحكومة تعديلاً هادئاً، لكنها واجهت احتجاجات عمت البلاد وإحراجاً بالغاً على مرأى الجميع.