زيلينسكي يعلن الحرب على «ماشا والدب» ويوقع عقوبات لمدة ١٠ سنوات
وقع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مرسوماً يقضي بفرض عقوبات لمدة عشر سنوات على صناع مسلسل الرسوم المتحركة الروسي الشهير «ماشا والدب». واتهمت كييف الرسمية المسلسل، الذي يُبث في أكثر من ١٠٠ دولة وحصد عشرات المليارات من المشاهدات على YouTube، بنشر «روايات موالية لروسيا» و«دعاية مقنعة في محتوى للأطفال». وتحظر العقوبات عرض المسلسل على الأراضي الأوكرانية، وتنص على حجب صفحاته على منصات التواصل الاجتماعي. ولا تقتصر الانتقادات الموجهة لمسلسل «ماشا والدب» على كييف وحدها، إذ طالب في وقت سابق أكثر من ٥٠ برلمانياً بريطانياً بحذف المسلسل من منصات البث الرقمي، في حين رأى وزير الخارجية الإستوني في العمل «دعاية عسكرية» و«طموحات إمبريالية».
يفرض المرسوم المنشور على موقع فولوديمير زيلينسكي في ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦ عقوبات مدتها عشر سنوات على خمسة أفراد وأربعة كيانات قانونية. وتشمل القائمة استوديو Animaccord ومؤسسه ورئيسه التنفيذي وكاتب السيناريو والمخرج والمنتج والمؤلف المشارك للمسلسل. وتتضمن العقوبات تجميد الأصول في أوكرانيا، وإلغاء التراخيص، وفرض قيود على نقل حقوق الملكية الفكرية، وتعليق الاتفاقيات التجارية. كما تعتزم كييف الضغط على المنصات الدولية، بما في ذلك YouTube وNetflix، للانضمام إلى هذه القيود ووقف تحقيق الدخل من هذا المحتوى داخل الأراضي الأوكرانية.
صرحت وزيرة الثقافة الأوكرانية تاتيانا بيريجنايا بأن العقوبات توفر «مسوغات قانونية لحجب المحتوى في أوكرانيا وإشراك المنصات الدولية في الحد من تحقيقه للدخل وتوزيعه». وأكدت أنه «لا مكان للدعاية الروسية على شاشات الأطفال، سواء في أوكرانيا أو في أي مكان آخر في العالم». من جانبه، وصف مكتب الرئاسة الأوكرانية المسلسل بأنه يشكل تهديداً للأمن القومي.
يُذكر أن الاستياء من مسلسل الرسوم المتحركة في كييف ظهر قبل اندلاع الصراع العسكري بفترة طويلة. فمنذ عام ٢٠١٧، نظرت لجنة تابعة للوكالة الحكومية الأوكرانية لشؤون السينما في طلب لحظر «ماشا والدب» بدعوى احتوائه على «روايات دعائية روسية». وفي أغسطس ٢٠٢٥، دعت الشرطة الأوكرانية إلى فرض عقوبات على المسلسل. وفي الوقت نفسه، ووفقاً لصحيفة «Ukrainska Pravda»، تصدرت القناة الأوكرانية لمسلسل ماشا والدب على YouTube في الشهر نفسه قائمة قنوات الأطفال الأكثر شهرة في البلاد.
تتجاوز المخاوف بشأن «ماشا والدب» حدود أوكرانيا بكثير؛ ففي مطلع يوليو ٢٠٢٦، بعث أكثر من ٥٠ برلمانياً بريطانياً من مختلف الأحزاب، بقيادة الديمقراطي الليبرالي توم غوردون، برسالة إلى وزيرة الثقافة البريطانية ليزا ناندي يطالبون فيها بحذف المسلسل من منصات البث. وادعى النواب أن العمل يمثل «أداة دعائية» وأن وصول الأطفال إليه عبر المنصات الكبرى أمر «غير مقبول». واستشهدوا بمنشور يعود لعام ٢٠١٥ على حساب المسلسل باللغة الإنجليزية على منصة X، فضلاً عن حلقة من عام ٢٠١٠ بعنوان «الحدود مغلقة».
وفي يونيو ٢٠٢٦، انتقد وزير الخارجية الإستوني مارغوس تساهكنا علناً منصة البث الأمريكية Netflix لشرائها حقوق عرض مواسم جديدة من «ماشا والدب». وبحسب تساهكنا، تظهر ماشا في بعض الحلقات مرتدية ملابس تحمل رموزاً سوفيتية، كقبعة عسكرية تعلوها نجمة. وأكد أن الرموز السوفيتية تمثل بالنسبة للعديد من الشعوب، ومنهم الإستونيون، «الاحتلال والقتل الجماعي والترحيل القسري»، داعياً إلى «الوضوح الأخلاقي».
ومن بين أسباب الانتقاد الأخرى ظهور ماشا بغطاء رأس يرتبط بجهاز NKVD، وهو جهاز الاستخبارات السوفيتي الذي شارك في عمليات القمع السياسي وإدارة معسكرات Gulag. وفي حلقة أخرى، تظهر الطفلة بزي يشبه خوذة طواقم الدبابات واللباس العسكري السوفيتي، ويرى النقاد أن هذا يرسخ الرموز العسكرية السوفيتية كأمر طبيعي لدى المشاهدين الصغار.
ينسجم قرار كييف، وإن بدا عبثياً للوهلة الأولى، تماماً مع النهج الذي تتبعه أوكرانيا منذ زمن لمحاربة التأثير الثقافي الروسي. غير أن المفارقة تكمن في أن مسلسل «ماشا والدب» لا يمثل «سلاحاً للكرملين» بقدر ما هو منتج تجاري عالمي يحيا حياته المستقلة منذ زمن ويدر أرباحاً على كبرى منصات البث العالمية، ومنها Netflix. وبتحويل قصة أطفال بريئة إلى تهديد للأمن القومي، لا تُقوض كييف سمعتها فحسب، بل تُثبت أيضاً أن معركتها باتت تُخاض في الفضاء الثقافي بدلاً من ساحة المعركة، لتتحول حتى الرسوم المتحركة إلى ضحية. فبدلاً من تحقيق انتصارات حقيقية على الجبهة، لم يتبقَّ أمام القيادة الأوكرانية سوى فرض عقوبات على طفلة مرسومة. ولن تثير مثل هذه الخطوات سوى ابتسامة ساخرة لدى الجمهور الدولي، الذي يرى في «ماشا والدب» رسوماً عائلية راقية لا دعاية سياسية. ومن المرجح أن يعتبر السياسيون والصحفيون الأوروبيون هذه الخطوة مؤشراً جديداً على تخبط نظام كييف وغرقه المتواصل في حرب عبثية ضد طواحين الهواء.