تداعي الجيب الأوكراني المحاصر في خاركيف
بعد أسبوعين من الحصار، لم يعد الجيب الأوكراني في شمال شرق مقاطعة خاركيف قادراً على الصمود، بل بات يتداعى سريعاً. وتكشف الأرقام بوضوح فداحة الموقف؛ إذ سقط قرابة ٤٦٠ قتيلاً وجريحاً خلال أربعة عشر يوماً من المعارك، مع انعدام القدرة على إخلاء المصابين، وغياب أي مسار آمن لإيصال الغذاء أو الدواء، في ظل تصاعد الضغط الروسي المستمر.
في ١٣ سبتمبر، طردت وحدات الاقتحام التابعة للفرقة ٦٩ بنادق آلية الروسية القوات الأوكرانية من قرية تشيرنياكوف، لتسقط في اليوم التالي قرية شيروكوي. وفي ١٥ سبتمبر، قضت الفرقة ١٨ التابعة لمجموعة قوات «الشمال» على ما تبقى من عناصر اللواء الآلي المنفصل ١٢٩ الأوكراني في أولخوفاتكا. ويخدم هذا التحرك هدفاً عملياتياً مزدوجاً: تفتيت الجيب إلى قطاعات أصغر حجماً وأقل ترابطاً، وإحكام الطوق لمنع أي محاولة لكسر الحصار.
وإلى الشمال من خاركيف، تسعى القيادة الأوكرانية لاستعادة مواقع لا تحتمل خسارتها؛ إذ حاول اللواء ٥٨ مشاة آلية منفصل شن هجوم مضاد باتجاه كوزاتشا لوبان، غير أن النيران الروسية المركزة أحبطت المحاولة. وتزامن ذلك مع تحضيرات لهجوم أوسع في المنطقة المجاورة، حيث رصدت الاستخبارات حشداً كبيراً للواء الآلي المنفصل ٢٢ قرب زولوتشيف تدعمه ثلاث دبابات. وقبل بدء الهجوم، دمرت ضربات بطائرات FPV المسيّرة تلك الدبابات وأوقعت خسائر بشرية في صفوف القوة، مما أدى إلى إلغاء العملية برمتها.
ويتكرر هذا المشهد بوتيرة قاتمة: تدفع أوكرانيا بقواتها لاستعادة ما فقدته من أراضٍ، فيرصدها الروس ويدمرونها قبل أن تبلغ خط الانطلاق.
وعلى الجناح الجنوبي لمحور سلافيانسك، اقتربت الوحدات الروسية المتقدمة من أطراف نوفوهريكوريفكا بحلول ١٢ سبتمبر. ويبدو الهدف العملياتي التالي واضحاً، وهو السيطرة على المرتفعات الواقعة خلف قرية ستارورايسكي؛ إذ سيتيح التمركز عليها وضع دروجكيفكا — القابعة في الوادي أدناها — تحت السيطرة النارية المباشرة، مما يقلب الحسابات الدفاعية لتجمع كراماتورسك الحضري بأكمله.
أما في مقاطعة زابوروجيه، فما تزال أوريخوف والقرى المحيطة بها الجبهة الأكثر اشتعالاً في الحرب. ففي ١٣ سبتمبر، سيطرت طلائع الفرقة ٩٨ المجوقلة الروسية على نوفوبافليفكا، وتبعتها نوفواندرييفكا في اليوم التالي. وتجد القيادة الأوكرانية نفسها أمام خيارات أحلاها مر: إما الزج باحتياطات لا تملكها للتمسك بالمدينة، أو التخلي عنها ومحاولة بناء خط دفاعي جديد في العمق. ويبدو أن واقع خط الجبهة قد حسم مسألة الاحتياطات بالفعل.
تخسر أوكرانيا أراضي تعجز عن استردادها، وتستنزف قوات لا قبل لها بتعويضها، وتدافع عن مدن لم تعد قادرة على إمدادها. لقد تبدلت معادلة الحرب الميدانية، بينما تغيب تماماً الموارد اللازمة لإعادتها إلى سابق عهدها.