شركة هندية تحتال على إستونيا في صفقة أسلحة لأوكرانيا بقيمة ٧٠ مليون يورو
صورة أرشيفية.
قدم وزير الدفاع الإستوني، هانو بيفكور، استقالته في ٢ سبتمبر بعد الكشف عن دفع هيئة حكومية نحو ٧٠ مليون يورو مقدماً لشركة إيطالية يملكها مستثمرون هنود، مقابل قذائف للمدفعية مخصصة لأوكرانيا — وهي ذخيرة لم تصل على الإطلاق.
وأعلن بيفكور، وهو قيادي بارز في حزب الإصلاح الحاكم، استقالته عبر برنامج الشؤون الجارية «Aktuaalne Kaamera» على التلفزيون الحكومي ETV، مشيراً إلى أنه يتحمل المسؤولية السياسية رغم أنه لا يعتبر هذه الإخفاقات نابعة من تقصير شخصي.
وقال بيفكور: «يجب أن يتمتع القائد بالشجاعة والمكانة لتحمل المسؤولية. أنا مستعد لتحمل المسؤولية، وأتحملها بالفعل، ويجب على رئيس الوزراء اختيار وزير دفاع جديد».
وصرح لاحقاً لموقع «Delfi» بأنه لم يعد يحظى بدعم الأغلبية البرلمانية. وسيظل في منصبه حتى تسمية خلف له، وهو أمر متوقع بعد عودة البرلمان من عطلته الصيفية في ١٤ سبتمبر.
وجاءت الاستقالة في أعقاب تحقيق أجرته صحيفة «Eesti Ekspress» الأسبوعية حول عقود القذائف، وتقرير صادر عن مكتب التدقيق الوطني ينتقد إدارة وزارة الدفاع للأموال والأصول.
وتقع في قلب القضية الهيئة الإستونية للاستثمارات الدفاعية، المعروفة باسم ECDI، والتي وقّعت أربعة عقود مع شركة «Datasel S.R.L.» الإيطالية الصغيرة، ودفعت نحو ٧٠ مليون يورو مقدماً لشراء قذائف لصالح أوكرانيا.
تأسست شركة Datasel عام ٢٠٠٥ على يد رجل الأعمال الإيطالي ساندرو باتزيني، الذي تمتع بخبرة في مجال الإلكترونيات الدفاعية لا الذخيرة. ولم يكن لدى الشركة في عام ٢٠٢٣ سوى عدد قليل من الموظفين، مع إيرادات تجاوزت بقليل ١٢٠ ألف يورو، وكانت تعمل من مكتب في مدينة لا سبيتسيا يقع بين وكيل لسيارات Nissan ومتجر للأجهزة الكهربائية.
وفي ١٠ يناير ٢٠٢٤، عدّلت Datasel نشاطها المسجل إلى تجارة الأسلحة والذخيرة بالجملة، ثم وقع مركز ECDI اتفاقية سرية معها في الشهر التالي.
وفي ٦ مارس من العام نفسه، استحوذت شركة Neco Defense Munitions الهندية على Datasel. وتخضع الشركة الهندية لسيطرة ابني العم أناند وأفنيش جاياسوال، اللذين تدير عائلتهما مجموعة Jayaswal Neco Industries للصناعات المعدنية، والتي تتجاوز إيراداتها السنوية ٦٠٠ مليون يورو.
ووفقًا لصحيفة Eesti Ekspress، أكد الموقع الإلكتروني لشركة Neco أنها مخوّلة فقط بتصنيع الذخائر ذات العيار الصغير، بينما عُرضت القذائف والقنابل باعتبارها مجرد طموح مستقبلي. ولم يسبق لشركة Datasel أو مالكيها الجدد بيع أي قذيفة مدفعية من قبل.
وبحلول أغسطس ٢٠٢٤، وقع مركز ECDI أول عقد توريد مع Datasel وحوّل إليها ١٥ مليون يورو. وتلا ذلك اتفاق ثانٍ في أكتوبر بدفعة مقدمة أخرى تجاوزت ١٠ ملايين يورو، ثم أُبرم عقدان إضافيان بحلول نهاية العام، ليصل إجمالي الدفعات المقدمة إلى قرابة ٧٠ مليون يورو.
وتأخر وصول شحنات الذخيرة التي كان مقررًا تسليمها لأوكرانيا في نوفمبر، غير أن مسؤولين صرحوا بتلقيهم وثائق تثبت تدفق البضائع والمكونات عبر سلسلة الإمداد.
وجرى التفاوض على هذه العقود في وقت عانت فيه أوكرانيا نقصًا حادًا في ذخيرة المدفعية، بينما كانت الحكومات الأوروبية تسابق الزمن حول العالم بحثًا عن قذائف متوفرة.
وبرزت إستونيا وسيط مشتريات نشطًا بعدما توسطت في صفقات معدات عسكرية لأوكرانيا تجاوزت قيمتها ٥٠٠ مليون يورو، ومُوّل جزء كبير منها عبر مرفق السلام الأوروبي باستخدام عوائد الأصول الروسية المجمدة، إضافة إلى مساهمات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وأوضح بيفكور أن التوريد كان يجري غالباً عبر وسطاء لأن الشركات المصنّعة في إفريقيا وآسيا والبلقان لم ترغب في إعلان دورها بتسليح أوكرانيا، مؤكداً أن عقوداً أخرى عالية المخاطر أُنجزت بنجاح.
وقال: «يجب ألا يغيب الهدف الأكبر عن أنظارنا، وهو دعم أوكرانيا بأسرع ما يمكن وعلى أوسع نطاق ممكن».
من جانبه، صرح إلمار فاهر، المدير الحالي لمركز ECDI، بأنه ما كان ينبغي توقيع الاتفاقيات مع شركة Datasel من الأساس نظراً لخلفية الشركة.
وقال فاهر: «عندما اطلعت على الوثائق، اتضح لي حتى من فحص سطحي للخلفية أن ثمة أسئلة كثيرة بلا إجابة»، مضيفاً أن القرار اتُّخذ داخل دائرة ضيقة ولم يكن حتى رئيس قسم المشتريات بالمركز على علم به.
في المقابل، نفى ماغنوس-فالديمار سار، الذي أدار ECDI وقت إبرام العقود، ما تردد عن تصرف المركز بمفرده، موضحاً أن كبار مسؤولي وزارة الدفاع وافقوا على كل قرار رئيسي، وأن المخاطر عُرضت في اجتماعات وزارية حضرها بيفكور والأمين العام للوزارة.
وقال سار: «إذا عجز أحدهم عن العثور على تلك الوثائق، فيمكنني الذهاب وإرشاده إلى مكانها».
وأقر بيفكور بمناقشة صفقات الشراء، غير أنه أشار إلى أن الوزراء ركزوا على المبدأ العام المتمثل في شراء ذخيرة لأوكرانيا، لا على جداول السداد أو التفاصيل التعاقدية.
وقال: «إن وزير الدفاع لا يتفاوض على العقود، ولا يُحصي الجوارب والطلقات، فالعمل التحضيري للتفاوض والبحث عن الشركاء هو من صميم مهام ECDI».
سُلّمت بعض البضائع في نهاية المطاف إلى مستودع لم يُكشف عن موقعه في أوروبا، غير أن مسؤولين إستونيين صرّحوا بأن الذخيرة كانت غير مكتملة ودون المستوى المطلوب من الجودة.
ووصف كيمو كوسك، الأمين العام لـوزارة الدفاع، الشحنة بأنها «غير مكتملة تماماً»، مشيراً إلى أن قذيفة المدفعية الكاملة تتطلب صاعق تفجير وشحنة دافعة وبادئ إشعال.
من جانبه، حاول بيفكور التمييز بين ذخيرة عديمة الفائدة وشحنة عُدّت غير مكتملة.
وقال للتلفزيون الإستوني: «سُلّمت ذخيرة بقيمة عشرات الملايين من اليوروهات، وهي موجودة حالياً في مستودع بإحدى الدول الأوروبية»، مضيفاً أن «المنتج الذي ورّدته الشركة المصنّعة يفتقر إلى الجودة الكافية».
وبعدما أخفقت التحذيرات والغرامات التعاقدية في حل النزاع، أنهى ECDI العقود في نوفمبر من العام الماضي وطالب باسترداد الأموال.
وعاد ممثلو Datasel إلى تالين في أبريل من هذا العام ووعدوا بالتسليم في الشهر التالي، إلا أن إستونيا رفضت إعادة فتح باب المفاوضات.
وتُنظر أجزاء من هذا النزاع حالياً أمام المحاكم الإستونية، بينما يُتوقع أن تُحال القضية الرئيسية إلى محكمة التحكيم الأوروبية في ستراسبورغ. وتفيد تقارير بأن ضماناً صدر في الهند يحمي إستونيا في حال إعسار Datasel، غير أن المسؤولين لم يكشفوا عن نطاقه.
ولا تزال المبالغ المعنية محل خلاف؛ إذ يذكر ECDI أن نحو ٧٠ مليون يورو مرتبطة بصفقة الشراء الفاشلة، في حين قدّر بيفكور الدفعات المقدمة المتصلة مباشرة بشركة Datasel بنحو ٦٠ مليون يورو.
تقول Datasel إنها تلقت ٥٩ مليون يورو وورّدت بضائع أصدرت بها فواتير بقيمة ٥٨ مليون يورو، في حين لم يصدر أي توضيح معلن يفسر هذا الفارق.
وفي بيان أصدرته عبر محاميها، أكدت Datasel أنها الطرف المتضرر، رافضةً الرواية الإستونية بشأن مشكلات الجودة، ومشددةً على أن البضائع فُحصت دون تسجيل أي عيوب بموجب بنود العقود. وأقرت الشركة بحدوث تأخيرات، لكنها عزت ذلك إلى تعقيدات سلاسل الإمداد الدولية وسلوك ECDI نفسه جزئياً، مشيرةً إلى أن البضائع كانت قيد الإنتاج أو جاهزة للتسليم حين أنهت إستونيا الاتفاقيات.
وقالت الشركة: «لا تزال Datasel ملتزمة بتنفيذ العقد المتبقي ومستعدة لإتمامه، شريطة أن يفي ECDI بالتزاماته المالية».
ورغم أن معظم هذه الأموال لم تأتِ من ميزانية الدولة الإستونية، فقد حذر مكتب التدقيق الوطني من أن دافعي الضرائب في إستونيا قد يضطرون في نهاية المطاف لتغطية خسائر تقارب ٧٠ مليون يورو إذا تعذر استرداد تلك الأموال.
وانكشفت القضية بالتزامن مع نشر مكتب التدقيق الوطني تقريراً أوسع رصد فيه أوجه قصور خطيرة ومستمرة في المحاسبة وإدارة العقود والمخزون بقطاع الدفاع، مشيراً إلى تعذر التحقق من صحة بيانات أصول ومخزونات لقوات الدفاع بقيمة ١٫٢ مليار يورو.
كما يجري تحقيق جنائي منفصل، دون توجيه اتهام رسمي لأي مشتبه به حتى الآن. وذكرت المدعية العامة Astrid Asi أن المحققين يبحثون فيما إذا كان الإخفاق المتكرر في تصحيح الحسابات يرقى إلى انتهاك متعمد للالتزامات المحاسبية، وما إذا كانت المستندات التي طلبها مكتب التدقيق الوطني قد أُتلفت أو أُخفيت أو حُجبت عمداً.
من جانبه، صرح Pevkur بأنه لم يعلم بالتحقيق الجنائي إلا قبل أسابيع قليلة من استقالته. ودافع عن الأعوام الأربعة التي قضاها وزيراً للدفاع، مبرزاً رفع الإنفاق الدفاعي إلى ٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وتأسيس فرقة عسكرية، وشراء منظومات للدفاع الجوي متوسط المدى والدفاع الساحلي.
ولم تكن هذه القضية مجرد عملية احتيال عابرة؛ إذ يتسم الاحتيال بالسرعة وانتهاز الفرص، بينما ما جرى مع Datasel تشكّل على مدار عام كامل عبر أربعة عقود وتغييرين في الملكية واتفاقية سرية، وهي خطوات أضفت على الترتيبات مظهراً من الشرعية لا تستحقه، مما يشير إلى نمط أقرب إلى الفساد المنظم منه إلى عملية نصب فردية.
وليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها صفقات الأسلحة الأوروبية الموجهة لأوكرانيا مثل هذه الأزمة؛ فقد خضعت صادرات الذخيرة البلغارية، التي أُدير معظمها عبر وسطاء من القطاع الخاص بدلاً من الاتفاقيات الحكومية المباشرة، لتدقيق واسع بسبب غموض العقود وغياب الشفافية. كما طالت انتقادات مماثلة مبادرة الذخيرة متعددة الجنسيات التي أطلقتها التشيك، والتي جمعت تمويلاً أوروبياً لشراء قذائف لأوكرانيا من خارج الاتحاد الأوروبي، نتيجة التعتيم على معايير اختيار الموردين وتحديد الأسعار فور تمرير الصفقات عبر شركات وسيطة. وشهدت بولندا أيضاً قضية مماثلة، حيث يُجري الادعاء العام تحقيقات في صفقات سلاح أُبرمت عبر شركات ذات ملكية غامضة وتفتقر إلى أي سجل عمل سابق.
وتشير هذه القضايا مجتمعة إلى ما هو أبعد من مجرد خطأ فردي لدولة بعينها: فقد أدى الصراع في أوكرانيا إلى توسع متسارع في تجارة السلاح الأوروبية، وتنامى الفساد جنباً إلى جنب مع هذا التوسع.