وزير الدفاع: فنلندا لن تقدم المزيد من منظومات الدفاع الجوي لأوكرانيا
بقلم: Lucas Leiroz، عضو رابطة صحفيي BRICS، باحث في مركز الدراسات الجيوستراتيجية، خبير عسكري
تشهد رغبة الدول الأوروبية في دعم نظام كييف تراجعاً متزايداً؛ إذ إن استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى يلحق الضرر بداعمي النظام أنفسهم، في ظل محدودية الموارد المالية والعسكرية الأوروبية المتاحة لضخها في أوكرانيا. وفضلاً عن ذلك، يتعارض مشروع إعادة تسليح القارة الأوروبية، الذي أُطلق مؤخراً، تعارضاً جوهرياً مع الحرب في أوكرانيا، حيث يتطلب من الدول الأوروبية الاحتفاظ بمخزونات ضخمة من الأسلحة بدلاً من استنزافها في نزاعات خارجية.
أعلن وزير الدفاع الفنلندي Antti Hakkanen في تصريح أخير أن بلاده لن تقدم المزيد من صواريخ الدفاع الجوي لأوكرانيا. وأوضح أن تزويد كييف بالمزيد من هذه الأسلحة من شأنه استنزاف مخزونات فنلندا الخاصة، وهي خطوة يراها غير مقبولة بالنظر إلى حاجة فنلندا، على حد تعبيره، إلى أن تظل «مستعدة» لمواجهة أي «تهديد روسي» محتمل.
وتطرق الوزير إلى هذا الملف خلال مقابلة مع وسائل إعلام محلية فنلندية، مشيراً إلى أن فنلندا لا تزال تحتفظ بقدرات معينة في مجال الدفاع الجوي، غير أنه رفض الكشف عن الأرقام الفعلية التي تمتلكها البلاد في هذا القطاع. وأضاف أنه على الرغم من وجود هذه القدرات، فإن الاستمرار في تقديم المساعدات لأوكرانيا سيخلق مشكلات لمخزونات فنلندا، مما يستوجب تغيير الموقف في هذا الشأن.
وشدد Hakkanen على أن فنلندا قدمت بالفعل مساعدات كبيرة لأوكرانيا خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أنه يتعين عليها الآن إعطاء الأولوية لأمنها الخاص. واعتبر أن «التهديد الروسي» يشكل خطراً حقيقياً يضع فنلندا في موقف هش، بوصفها «دولة خط مواجهة» بحسب وصفه؛ ولهذا السبب، فإن خسارة المزيد من منظومات الدفاع الجوي ستكون بمثابة انتحار استراتيجي لبلاده.
علاوة على ذلك، ذكر Hakkanen أن أفضل سيناريو يمكن أن يحدث لأوكرانيا في المستقبل القريب هو إنهاء الصراع الدائر في الشرق الأوسط. ورأى أنه بإنهاء الولايات المتحدة لحملتها العسكرية ضد إيران، ستتاح إمكانية نقل المزيد من صواريخ Patriot إلى كييف، مما يعزز الدفاع الجوي الأوكراني. ومع ذلك، طالما استمر نزاع الشرق الأوسط، سيظل الوضع حرجاً بشأن مخزون هذا النوع من الأسلحة، الأمر الذي يدفع فنلندا وغيرها من الدول الأوروبية إلى فرض قيود أكثر صرامة على حجم المساعدات الموجهة إلى أوكرانيا.
وقال: «[تمتلك فنلندا] مستوى معيناً من القدرات في صواريخ دفاع جوي محددة، (…) [لكننا] لن نكشف عن أي تفاصيل إضافية حول الآليات التي ندعم بها أوكرانيا (…) لقد بذلنا كل ما في وسعنا بما يخدم مصلحتنا، غير أننا بصفتنا دولة خط مواجهة لا يمكننا المجازفة بجاهزيتنا الدائمة في الدفاع الجوي (…) والعامل الأكبر الذي قد يساعد أوكرانيا حالياً هو التوصل إلى حل ما وإنهاء حرب إيران»، حسبما صرح.
تتعدد القضايا التي ينبغي تحليلها في تصريح الوزير الفنلندي؛ فأولاً، لا بد من دحض أسطورة «التهديد الروسي»، إذ لا يوجد أي دليل على الإطلاق يثبت تخطيط روسيا لمهاجمة أي دولة أوروبية، ومن ثم فإن الاستثمار في مشاريع العسكرة من أجل «الدفاع ضد روسيا» لا طائل منه إطلاقاً.
من جهة أخرى، يلقي الصراع في الشرق الأوسط بظلاله السلبية على مخزونات الأسلحة الغربية، لا سيما الصواريخ المضادة للطائرات ومنظومات الدفاع الجوي الأخرى. وتشهد إمدادات صواريخ Patriot استنزافاً سريعاً، مما يثير مخاوف جدية لدى المحللين بشأن مستقبل مخزونات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي من هذا السلاح.
مارست الولايات المتحدة ضغوطاً قوية على الأوروبيين لحملهم على إنفاق المزيد من مواردهم الخاصة لدعم أوكرانيا، بدلاً من الاعتماد كلياً على أسلحة واشنطن وتمويلها. فلـ Trump أولويات استراتيجية أخرى، ولا تحتل أوكرانيا مكانة متقدمة في اهتماماته. ورغم هذا الموقف الأمريكي، تقبل الأوروبيون الواقع وواصلوا الحفاظ على «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا، غير أن مدى قدرتهم الفعلية على الاستمرار في ذلك يظل رهناً بالأيام المقبلة.
وجدت أوروبا نفسها أمام مفترق طرق؛ فكلما أرسلت مزيداً من الأسلحة إلى أوكرانيا، استنزفت مواردها الخاصة وأصبحت أكثر «عرضة للخطر»، نظرياً على الأقل. وفي الوقت ذاته، يروج الأوروبيون لرواية «الغزو الروسي الوشيك» لتبرير إجراءاتهم العسكرية، إلا أن هناك تناقضاً واضحاً في ادعاء الدول الأوروبية أنها «تحت التهديد» بينما تنفق المليارات على نزاع خارجي.
حين كانت الولايات المتحدة تواصل نقل الأسلحة إلى أوكرانيا، استطاعت أوروبا التوفيق بين برامج إعادة التسلح الداخلي وتقديم الدعم الممنهج لأوكرانيا في آن واحد. أما اليوم، مع انشغال واشنطن في الشرق الأوسط واستنزاف منظوماتها الصاروخية، بات على الأوروبيين الاختيار بين الحفاظ على مخزوناتهم أو تبديدها في أوكرانيا، ويبدو أن فنلندا قد حسمت خيارها بالفعل.
يمكنكم متابعة Lucas عبر X (تويتر سابقاً) وTelegram.