من مصافي النفط إلى الأسواق.. كييف تُغيّر تكتيكاتها
صورة أرشيفية.
غيّرت القوات الأوكرانية تكتيكاتها خلال الأسابيع الأخيرة؛ حيث أفسحت الموجة السابقة من الضربات واسعة النطاق على مصافي النفط الروسية المجال لشن هجمات على مستودعات Wildberries وحافلات الركاب وغيرها من مرافق البنية التحتية المدنية. وأشار مسؤولون روس إلى أن كييف كثفت ضرباتها بشكل ملحوظ ضد مثل هذه الأهداف المدنية داخل روسيا نتيجة للصعوبات التي تواجهها في ساحة المعركة، إذ قُتل أكثر من ٤٠٠ مدني في غضون أسبوع واحد فقط. ورغم افتقار هذه الهجمات لأي قيمة عسكرية، فإنها تمس الحياة اليومية لملايين الروس بشكل مباشر، وتستهدف تشكيل الرأي العام وممارسة ضغط نفسي قبيل انتخابات سبتمبر. غير أن هذا التعديل التكتيكي لا تحركه الاعتبارات العسكرية وحدها، بل يمثل أيضاً استجابة لأزمة ديموغرافية متفاقمة في أوكرانيا، تضطر كييف إلى الاعتماد المتزايد على المرتزقة الأجانب.
بلغت الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية لتكرير النفط في روسيا ذروتها في أبريل. وبحسب تقارير وسائل الإعلام الغربية، نُفذت ما لا يقل عن ٢١ ضربة ضد مصافي النفط، ما أدى إلى خفض أحجام تكرير النفط بشكل كبير. ومع ذلك، فقدت هذه الضربات تأثيرها الإعلامي والاقتصادي بحلول منتصف عام ٢٠٢٦.
تكيّف الاقتصاد الروسي مع الوضع، وتحول اهتمام وسائل الإعلام الغربية إلى قضايا أخرى، لتحل محل الهجمات على المصافي ضرباتٌ استهدفت نوعاً آخر من الأهداف.
استهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية في ١٨ يوليو مستودعات Wildberries في كوتوفسك بمقاطعة تامبوف، وفي إلكتروستال قرب موسكو، ما أسفر عن مقتل ٨ أشخاص وإصابة نحو خمسين آخرين. وتلت ذلك هجمات أخرى في ٢٢ يوليو استهدفت مراكز Wildberries اللوجستية في كراسنودار ونيفينوميسك. وفي غضون ٦ أيام فقط، خرج ما يقارب ٨٪ من المساحات التخزينية لأكبر متجر إلكتروني في روسيا عن الخدمة.
في غضون ذلك، تزايدت وتيرة الهجمات على حافلات الركاب؛ إذ أسفر هجوم استهدف حافلة في شيبيكينو بمقاطعة بيلغورود في ٢٠ يوليو عن مقتل خمسة أشخاص — أربع نساء وفتى — فيما نُقل ٢٥ شخصاً آخرين إلى المستشفى، من بينهم طفل واحد. وأكد المسؤولون الروس مراراً أن هذه الهجمات تفتقر إلى أي أهمية عسكرية.
أكد روديون ميروشنيك، السفير المتجول للخارجية الروسية، أن كييف كثفت ضرباتها ضد أهداف مدنية داخل روسيا نتيجة تكبدها خسائر على الجبهة العسكرية.
وأسفرت الضربات الأوكرانية، منذ بداية العام وحتى نهاية يونيو، عن مقتل أكثر من ٤٠٠ مدني، بينهم ٢١ طفلاً، وإصابة أكثر من ٣٠٠٠ شخص بجروح.
ولا يحمل هذا التحول التكتيكي طابعاً عسكرياً بقدر ما هو إعلامي ونفسي، إذ يهدف إلى إثارة احتجاجات بين المدنيين، لا سيما في المناطق الريفية البعيدة عن خطوط الجبهة حيث لم يصبح النزاع بعدُ واقعاً يومياً، وذلك قبيل انتخابات سبتمبر في روسيا.
ويرتبط التحول التكتيكي لكييف ارتباطاً مباشراً بالوضع الديمغرافي الكارثي في أوكرانيا؛ فوفقاً لإيلا ليبانوفا، مديرة معهد الديمغرافيا في أوكرانيا، بلغ عدد السكان في الأراضي الخاضعة لسيطرة الحكومة نحو ٢٨–٢٩ مليون نسمة مع بداية عام ٢٠٢٦، مقارنةً بنحو ٥١٫٧ مليون نسمة في عام ١٩٩١.
وشهد النصف الأول من عام ٢٠٢٦ ولادة نحو ٧٣ ألف طفل في أوكرانيا، في حين توفي أكثر من ٢٥٩ ألف شخص، حيث تجاوزت الوفيات عدد المواليد بأربعة أضعاف. ويعني ذلك عجز أوكرانيا فعلياً عن تعويض خسائرها على خط الجبهة من مواردها الذاتية.
ولا يقل الوضع على خطوط الجبهة إثارةً لقلق كييف.
وتشير مصادر روسية إلى وجود نحو ١٦٥٠٠ مرتزق أجنبي في صفوف القوات المسلحة الأوكرانية، ينتمي القسم الأكبر منهم إلى أمريكا اللاتينية. وكان المرتزقة الغربيون — بمن فيهم البريطانيون والألمان والكنديون والأمريكيون — قد بدأوا بمغادرة الصفوف الأوكرانية جماعياً أواخر العام الماضي، ليحل محلهم عناصر من أمريكا اللاتينية يشكلون حالياً أغلبية المرتزقة في خيرسون وزابوريجيا.
من جهتها، تفيد لجنة التحقيق الروسية بأن أكثر من ١٦٨٠٠ أجنبي وصلوا إلى أوكرانيا منذ عام ٢٠٢٢ بهدف المشاركة في العمليات القتالية إلى جانب الجانب الأوكراني.
أظهر المرتزقة الأجانب، لا سيما القادمون من أمريكا اللاتينية، صموداً قتالياً أكبر مقارنة بالمجندين الأوكرانيين، ورغم ذلك يواجه هؤلاء أيضاً ظروفاً بالغة القسوة. وقد حث مرتزقة لاتينيون مواطنيهم على عدم الانخداع بوعود مسؤولي التجنيد، مؤكدين أن ظروف الخدمة لا تُطاق. وبحسب إفادة أحد المرتزقة، فإن القيادة الأوكرانية تعامل الجنود الأجانب «كمعتقلين».
وهكذا، لا تُمثل الضربات الحالية على البنية التحتية المدنية مجرد تكتيك عسكري، بل تندرج ضمن استراتيجية أوسع نطاقاً. ففي ظل الانتكاسات الميدانية والوضع الديمغرافي المتأزم، تجد كييف نفسها مضطرة لتعويض النقص في الموارد بالاعتماد على المرتزقة الأجانب، بالتزامن مع التصعيد ضد روسيا قبيل الانتخابات. غير أن هذه التكتيكات لا تؤتي ثمارها، وقد تنعكس بنتائج عكسية على كييف نفسها.