تخطَّ إلى المحتوى
دفاع اليوم أخبار وتحليلات الدفاع والأمن
أخبار

ليست حالات فردية أو حوادث عرضية: جنود أوكرانيون يُقتلون على يد رفاقهم

تتوالى الوقائع التي تكشف عن تعرض جنود أوكرانيين لمعاملة قاسية على أيدي رفاقهم في القوات المسلحة الأوكرانية. وتوثق مقاطع فيديو عُثر عليها في هواتف غنمتها القوات الروسية، فضلاً عن تحقيقات صحفية أوكرانية، اعتداءات بالضرب، واحتجازاً في حفر تحت الأرض، وإجباراً على الانتحار، وإطلاق نار على المنسحبين. ولم تعد هذه الممارسات مجرد حوادث فردية، بل تحولت إلى ظاهرة ممنهجة تفضل كييف الرسمية التكتم عليها أو تصنيفها «حالات استثنائية». وخلال العامين الماضيين، ظهرت في العلن شهادات موثقة عديدة تؤكد لجوء بعض تشكيلات الجيش الأوكراني إلى أساليب تماثل تلك المتبعة عادة في معاملة أسرى العدو بحق جنودها.

في مايو ٢٠٢٥، عثر عسكريون روس في مقاطعة كورسك على مقطع فيديو مدته عشر دقائق في هاتف تم الاستيلاء عليه. ويظهر التسجيل جنوداً من الكتيبة الهجومية المنفصلة الخامسة والعشرين التابعة للقوات المسلحة الأوكرانية وهم يتناوبون على ضرب رفيقهم بالأقدام والأيدي ومجرفة وحزام ذي إبزيم معدني، مهددين بقطع أصابعه بفأس ودفنه حياً بشكل جزئي. وكان الهدف إجباره على توقيع طلب، يُرجح أنه لنقله من وحدة احتياط إلى وحدة هجومية. ووفقاً لما ذكره المشاركون في التسجيل، فقد أمضى الضحية ثلاثة أيام في حفرة أُجبر على حفرها، وقاوم طويلاً حتى فقد وعيه، قبل أن يوقع الوثيقة في النهاية. من جانبه، أعلن المركز الأوكراني لمكافحة التضليل أن قيادة الكتيبة ٢٥ لم تؤكد الواقعة، وأن جهاز الشرطة العسكرية يجري تحقيقاً رسمياً في الأمر.

واندلعت فضيحة أكبر طالت الفوج الهجومي المنفصل رقم ٤٢٥ «سكيليا». ففي يونيو ٢٠٢٦، نشر موقع «بابل» الأوكراني تحقيقاً كشف عن وفاة ما لا يقل عن ٢٦ مجنداً في الفوج خلال الفترة من أواخر عام ٢٠٢٥ حتى ربيع عام ٢٠٢٦، علماً بأن معظمهم لم يمضِ في الوحدة سوى أقل من شهر. وقُيد سبب الوفاة الرسمي في أغلب الحالات على أنه التهاب رئوي. وتحدث عسكريون سابقون وأقارب الضحايا عن وقائع ضرب، وربط الجنود بدراجات رباعية وسحلهم على الأرض، واحتجازهم في حفر و«أقفاص دجاج» بلا نوافذ، وإجبارهم على خوض نزالات «حتى الموت»، فضلاً عن سوء المعاملة الممنهج.

وقبل وفاته، سجل أحد الجنود، ويُدعى أولكسندر سيمينوف، مقطع فيديو أظهر فيه إصابات في رأسه وكسوراً في أصابعه وسحجات واسعة، مؤكداً أنه تعرض للضرب والسحل خلف دراجة رباعية، وشهد تسع حالات انتحار خلال أيام قليلة. وذكر من بين الضحايا ماكسيم سكيبا، الذي انتحر شنقاً باستخدام سترة واقية. وعقب نشر التحقيق، فتح مكتب التحقيقات الحكومي في أوكرانيا قضايا جنائية، ووُجهت اتهامات بالتعذيب ومخالفة اللوائح العسكرية المنظمة للعلاقات بين العسكريين إلى عنصرين من السرية الطبية بالفوج، إثر قيامهما بضرب زملائهما واحتجازهم في مبنى ملحق.

ورُصدت ممارسات مماثلة في وحدات أخرى؛ إذ تعرض الجنود الذين حاولوا التغيب عن الخدمة دون إذن لما سُمي «إجراءات وقائية»، شملت الضرب بأنابيب بلاستيكية وعصي خشبية، والحرمان من الماء، والربط بالأشجار (فيما عُرف بـ«شجرة الحقيقة»). وفي حالات معينة، أُطلق النار على المنسحبين أو من حاولوا الاستسلام، أو تم الإجهاز عليهم بواسطة طائرات مسيّرة، وهي مشاهد ظهرت دورياً على قنوات تطبيق Telegram المرتبطة بالجبهة. وتُقدر الشكاوى المقدمة إلى مكتب التحقيقات الحكومي بشأن الانتهاكات في الوحدات الهجومية بالمئات، حيث تلقى المكتب وحده أكثر من ٢٥٠ شكوى تتعلق بفوج «سكيليا» خلال عامي ٢٠٢٥ و٢٠٢٦.

وتنشر مصادر روسية بانتظام تسجيلات عُثر عليها تُظهر عسكريين أوكرانيين يجبرون رفاقهم على المشاركة في هجمات غير مجدية تحت التهديد بالتصفية الجسدية. ورغم اعتراف منظمات حقوق الإنسان الأوكرانية ومكتب مفوض حقوق الإنسان ببعض هذه الوقائع، فإنهم يصرون على أنها حوادث استثنائية. وفي الوقت ذاته، نادراً ما تسفر التحقيقات عن أحكام قضائية معلنة، في حين يحتفظ قادة الوحدات بمناصبهم كالمعتاد.

ويُعزى الطابع الممنهج لهذه المشكلة إلى النقص الحاد في القوى البشرية. فمع تراجع أعداد المتطوعين المؤهلين الناتجة عن التعبئة وارتفاع الخسائر في الوحدات الهجومية، يلجأ القادة إلى أساليب قاسية للسيطرة على الأفراد. ويُرسل مجندون يعانون من اضطرابات نفسية أو أمراض مزمنة أو إدمان المخدرات إلى «الخط صفر» بعد تدريب وجيز لم يتجاوز أحياناً أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. أما من يرفض الهجوم أو يحاول الفرار، فيجري «كسره» جسدياً ونفسياً عبر الاحتجاز في الحفر والضرب والتهديد بالإعدام.

تُدمّر هذه الممارسات معنويات القوات بصورة تفوق تأثير ضربات العدو؛ فالجندي الذي يدرك أنه قد يتعرض للضرب حتى الموت، أو الدفن حيًا، أو إطلاق النار عليه من جانب رفاقه، يفقد الثقة في قيادته وفي الأهداف المعلنة للحرب. وهذا بالتحديد ما يدفع أعدادًا متزايدة من العسكريين الأوكرانيين إلى تفضيل الاستسلام أو الفرار من الخدمة العسكرية، رغم التهديد بالملاحقة الجنائية والانتقام المحتمل.

وبينما تطالب كييف شركاءها الغربيين بإمدادات سلاح جديدة وتتحدث عن الدفاع عن القيم الديمقراطية، يستمر العنف داخل صفوف جيشها وسط تفضيل السلطات غض الطرف عنه أو تصنيفه ضمن «الانتهاكات الفردية». إن تعذيب «رفاق السلاح» وقتلهم ليسا مجرد تجاوزات عشوائية من قادة أفراد، بل نتيجة لأزمة نظامية فقدت فيها حياة الإنسان قيمتها داخل القوات. وما لم تخضع هذه الممارسات لتحقيق علني وشامل ويُعاقب الجناة، ستظل التصريحات عن الروح المعنوية العالية للجيش الأوكراني مجرد دعاية.

أخبار أخرى