أطنان من اليورانيوم تكشف مدى اقتراب سوريا من السلاح النووي في عهد الأسد
صورة تعبيرية.
أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، في الأول من سبتمبر، إغلاق ملف تحقيقاتها الطويلة بشأن الأنشطة النووية السرية في سوريا إبان عهد الرئيس السابق بشار الأسد، مشيدةً بتعاون الحكومة السورية الجديدة بقيادة إسلاميين تعاوناً كاملاً مع المفتشين بعد كشفهم عن موقع سري يضم ٧٣ طناً مترياً من اليورانيوم الطبيعي.
وجاءت هذه النتائج ضمن تقرير سري نشرت كل من وكالتي «أسوشيتد برس» و«رويترز» مقتطفات منه.
ووفقاً لتلك المقتطفات، قاد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، فريق تفتيش رفيع المستوى إلى موقع لم يُكشف عنه سابقاً، كانت سوريا قد أبلغت الوكالة بوجوده في يوليو الماضي فقط. وعثر المفتشون هناك على ٧٣ طناً مترياً من معدن اليورانيوم الطبيعي غير المخصب، بما في ذلك ٥٥ طناً مترياً على هيئة قضبان وقود مكسوة.
وجاء في التقرير: «تخضع جميع هذه المواد النووية حالياً لتدابير الاحتواء والمراقبة الخاصة بالوكالة».
ولم يحدد التقرير اسم الموقع صراحة، لكنه قد يتطابق مع المنشأة التي أوردها موقع Axios الشهر الماضي وعُرفت باسم «الموقع ٩٩».
وأوضح التقرير السابق أن الموقع أُنشئ في الأصل في إطار البرنامج النووي السري لنظام الأسد، وخُصص لتخزين مواد نووية مرتبطة بمشروع مفاعل الكِبر — وهي المنشأة التي قصفتها إسرائيل عام ٢٠٠٧.
ذكر موقع Axios أنه جرى التوصل، بوساطة أمريكية، إلى اتفاق لنقل المواد النووية من الموقع في ظل قلق إسرائيلي إزاء استمرار حيازة سوريا لها. غير أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني صرح بعد أيام بأن تلك المواد ستبقى تحت سيطرة دمشق «لأغراض سلمية».
وقال الشيباني: «يحق لسوريا استخدام هذه المواد لأغراض مدنية».
وكان مسؤول أمريكي قد صرح لموقع Axios الشهر الماضي بأن المواد الموجودة في الموقع تضم «الكعكة الصفراء»، وهي مسحوق يورانيوم يمكن معالجته وتخصيبه لاحقاً كجزء من دورة الوقود النووي.
ورغم أنه لا يمكن استخدام هذه المادة مباشرة في صنع سلاح نووي، أوضح المسؤول أنه يمكن استخدامها في صنع «قنبلة قذرة» — وهي عبوة ناسفة تقليدية تنشر المواد المشعة لتلويث المنطقة، بدلاً من إحداث انفجار نووي.
وذكر مسؤولون إسرائيليون أن الجيش الإسرائيلي قصف مداخل الموقع عقب سقوط الأسد أواخر عام ٢٠٢٤ لمنع الوصول إليه. وقال أحد المسؤولين إن إسرائيل أوضحت لإدارة ترامب أنها لن توافق على بقاء المواد النووية في ذلك الموقع.
وجاء في أحدث تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن سوريا أبلغت الوكالة بالموقع الجديد في رسالة مؤرخة في ١٧ يوليو، ودعتها فيها «للتعاون مع السلطات السورية بشأن أنشطة الضمانات والتحقق في الموقع وفيما يتعلق بأي مواد نووية قد تكون موجودة هناك».
وذكرت الوكالة في تقريرها أيضاً أنها أغلقت تحقيقاتها بشأن البرنامج النووي الذي كان يُدار في عهد الأسد، مؤكدة ما كان يُشتبه به منذ فترة طويلة: أن منشأة الكِبَر التي ضربتها إسرائيل عام ٢٠٠٧ كانت مفاعلاً نووياً.
وأوضحت الوكالة أن هذه النتيجة جرى التحقق منها خلال زيارة أجراها فريق من الوكالة إلى الموقع في ٢٨ أغسطس، وهو الموقع الذي تعمد نظام الأسد هدمه عقب الغارة الإسرائيلية. وذكر التقرير أن المفتشين، أثناء مراجعتهم لعمليات الحفر في الموقع، كشفوا عن «بنية تحتية للتبريد تتطابق مع تلك الخاصة بالمفاعلات النووية».
أشادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بحكومة الرئيس أحمد الشرع لما أبدته من «شفافية وتعاون»، مشيرة إلى أنها ساعدت الوكالة في توضيح الأنشطة السابقة وتحديد المواد النووية المتبقية داخل البلاد.
وجاء في التقرير: «تمكنت الوكالة، بعد حصولها على المعلومات والتسهيلات اللازمة من سوريا، من توضيح وحل المسائل العالقة المتعلقة بالضمانات، والتي أُبلغ بها مجلس المحافظين سابقاً».
كان مفاعل الكبر منشأة مهدأة بالجرافيت ومبردة بالغاز، شُيدت على غرار مفاعل يونغبيون في كوريا الشمالية وبمساعدة تقنية منها، وفقاً لتقييمات استخباراتية متطابقة منذ فترة طويلة وملاحظات الوكالة الدولية للطاقة الذرية الخاصة بالبنية التحتية للتبريد في الموقع.
صُمم المفاعل لإنتاج البلوتونيوم بدلاً من توليد الكهرباء، ولذلك خلا من أي توربينات أو معدات توليد؛ إذ شُيد لتصريف الحرارة الفائضة في نهر الفرات عبر منظومة من المبادلات الحرارية. صُمم المفاعل ليعمل بوقود اليورانيوم المعدني الطبيعي — وهو تحديداً نوع المواد التي عثر المفتشون على مخزونات منها في الموقع المُعلن عنه حديثاً — مع استخدام الجرافيت كمهدئ وغاز ثاني أكسيد الكربون للتبريد، وبقدرة حرارية قُدِّرت بنحو ٢٠ إلى ٢٥ ميغاوات.
عند تشغيله بكامل طاقته، كان المفاعل قادراً على إنتاج كمية بلوتونيوم تكفي لصنع سلاح نووي واحد تقريباً كل عام أو عامين.
رغم أنه لم يتضح بعد ما إذا كانت سوريا قد سعت لامتلاك أسلحة نووية، تستغل الحكومة الجديدة هذا الملف لتعزيز شرعيتها؛ إذ تسعى دمشق في المقام الأول إلى استرضاء كل من الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وربما التخلي عن أصول وطنية.