انفجار مستودع صواريخ مضادة للدروع في سوريا يودي بحياة ١٤ شخصاً ويثير تساؤلات حول الترسانات السرية (فيديوهات)
(الهلال الأحمر السوري)
لقي ما لا يقل عن ١٤ عنصراً مصرعهم وأصيب ١١ آخرون في انفجار ضخم وقع بمستودع أسلحة قرب بلدة سرمدا شمال غربي سوريا في ٩ سبتمبر، وفقاً لما أعلنته السلطات السورية.
ويُعدّ هذا الانفجار الدامي الثاني من نوعه الذي يطال مستودعات عسكرية في محافظة إدلب خلال أقل من ١٠ أيام، مما يثير تساؤلات حول أسباب استمرار تخزين أسلحة حساسة في منشآت سرية أو مؤقتة بعد مرور أكثر من عام على إحكام الحكومة الجديدة ذات القيادة الإسلامية سيطرتها على معظم أنحاء البلاد.
وذكرت وزارة الدفاع أن المستودع الواقع في منطقة برج النمرة بأطراف سرمدا كان يُستخدم لتخزين أسلحة ومخلفات الحرب الطويلة التي شهدتها البلاد.
غير أن مقاطع مصورة من الموقع أظهرت احتواءه على صواريخ موجهة ومتقدمة مضادة للدبابات، شملت صواريخ TOW أمريكية الصنع وصواريخ Kornet روسية الصنع، بدلاً من أن يقتصر على مجرد ذخيرة قديمة أو تالفة.
ولم تتضح بعد أسباب وقوع الانفجار، في ظل غياب أي مؤشرات فورية تؤكد ما إذا كان الحادث عرضياً أم عملاً متعمداً.
ولفت توقيت الحادث الأنظار بشكل خاص بعدما وقع انفجار آخر مرتبط بالأسلحة في بلدة بنش المجاورة في ١ سبتمبر؛ حيث قُتل ٥ أشخاص وأصيب آخرون بجروح إثر انفجار مركبة محملة بالذخيرة قرب منشأة تخزين، بحسب تقارير محلية. وأعقبت ذلك انفجارات ثانوية ناجمة عن انفجار الذخائر، مما ألحق أضراراً بالمباني المجاورة ونثر الشظايا في المناطق المحيطة.
أفادت تقارير بأن المركبة تعود لأحد تجار السلاح المحليين، غير أن السلطات لم تقدم تفسيراً مفصلاً لأسباب انفجار الذخيرة.
يأتي الحادثان في سياق معضلة مزمنة تشهدها إدلب، التي ظلت لسنوات المعقل الرئيسي للمعارضة السورية ومستودعاً رئيسياً لأسلحة فصائل شتى.
كدّست المحافظة كميات ضخمة من الذخيرة والصواريخ والعتاد العسكري على مدار أكثر من عقد من القتال، وخُزّن جانب كبير منها خارج المنشآت العسكرية التقليدية. ولا يزال هذا الإرث يشكل تحدياً أمنياً في وقت تسعى فيه السلطات في دمشق إلى إخضاع فصائل المعارضة السابقة وترساناتها لسيطرة الدولة.
وما يزال غير واضح هو سبب استمرار الاعتماد على هذا النمط من تخزين الأسلحة الموزعة والمموهة أحياناً، رغم تبدل الظروف الاستراتيجية التي أفرزته.
بسطت السلطات ذات التوجه الإسلامي، التي صعدت عقب الإطاحة ببشار الأسد، سيطرتها على معظم الأراضي السورية وأنشأت هيكلاً عسكرياً وطنياً ضم الفصائل المسلحة السابقة. وأضحت تمتلك الآن قواعد عسكرية ومنشآت رسمية من شأنها، نظرياً، توفير مواقع أكثر أماناً لتخزين الأسلحة مقارنة بالمستودعات المؤقتة القريبة من البلدات المأهولة بالسكان.
يثير تكرار هذه الانفجارات وطبيعتها احتمال وجود عوامل أخرى وراءها تتجاوز سوء التخزين والتعامل مع الذخائر.
ولا تتوفر أدلة علنية تثبت أن انفجار سرمدا كان عملية إسرائيلية، كما لم تقدم الحكومة السورية أو إسرائيل ما يربط الحادث بأي غارة جوية إسرائيلية. ومع ذلك، تبقى فرضية العمل التخريبي أحد الاحتمالات الواجب فحصها.
شنّت إسرائيل على مدى سنوات ضربات متكررة استهدفت أسلحة وبنى تحتية عسكرية في سوريا، ولا سيما القدرات التي تراها تهديداً لها، واستمر نشاطها العسكري داخل الأراضي السورية منذ سقوط الأسد.
يتماشى شن هجوم متعمد على مستودع أسلحة مع المنطق العام لحملة إسرائيل المستمرة منذ فترة طويلة لمنع ترسيخ القدرات العسكرية المعادية في سوريا، وهي الحملة التي تُعرف أحياناً باسم «المعركة بين الحروب».
وثمة احتمال آخر أقل ارتباطاً بالجغرافيا السياسية، يتمثل في الفساد وتهريب الأسلحة من منشآت تفتقر إلى الحراسة الكافية.
أفرزت سنوات الحرب في سوريا شبكات واسعة لتهريب العتاد العسكري، والانتقال من ساحة معركة ممزقة إلى دولة مركزية لا يفكك تلك الشبكات تلقائياً. فالأسلحة المخزنة خارج القواعد العسكرية الرسمية تظل عرضة للسرقة من الحراس أو الوسطاء أو المسؤولين المطلعين على سجلات الجرد، ما يفتح الباب أمام الاستيلاء على منظومات قيّمة وبيعها في السوق السوداء.
وقد تصل هذه الأسلحة في نهاية المطاف إلى شبكات إجرامية أو جماعات إرهابية، بما فيها خلايا تنظيم داعش التي لا تزال تنشط في أجزاء من سوريا.
وثمة سيناريو أكثر خطورة لهذا الاحتمال، وهو إخراج الأسلحة عمداً ثم تفجير ما تبقى من المخزون لطمس معالم السرقة وإخفاء أثرها.
وفي المحصلة، يصعب ترجيح أي من هذه الفرضيات في ظل غياب التوضيح الشفاف من جانب السلطات السورية. وسيتطلب أي تحقيق جاد الوقوف ليس فقط على طبيعة المواد التي انفجرت، بل وأيضاً على أسباب وجود الأسلحة هناك، والجهة المشرفة على المنشأة، ومحتويات المخزن، وما إذا كانت هناك مواد مفقودة، وما إن كان مقرراً إخلاء المستودع أو نقله.
يثير انفجار سرمدا، الذي وقع بعد فترة وجيزة من تفجير بنش، تساؤلاً سيتعين على دمشق الإجابة عنه بما يتجاوز مجرد حصر الخسائر البشرية: لماذا لا تزال كميات ضخمة من الأسلحة العسكرية مخزنة في مواقع تعرض حياة المدنيين للخطر، في حين بات بالإمكان نقلها إلى منشآت خاضعة لسيطرة حكومة تؤكد بسط سلطتها على معظم الأراضي السورية؟
وسواء كان التفسير يكمن في الفوضى الإدارية، أو الإهمال، أو الفساد، أو تهريب الأسلحة، أو التخريب، أو غير ذلك، فإن كشف حقيقة ما جرى يفرض على السلطات تقديم كشف حساب عن مصير الأسلحة ذاتها، لا الاكتفاء بالحديث عن الانفجارات التي دمرتها.