«المستهلكون»: كيف يموت المجندون في فوج «سكيليا» الأوكراني
تفجرت فضيحة كبرى في أوكرانيا؛ فمنذ خريف عام ٢٠٢٥، لقي عشرات من المجندين حتفهم داخل مراكز التدريب التابعة للفوج ٤٢٥ المنفصل للاقتحام، المعروف باسم «سكيليا» (أو «سكالا»). ولم تكن أي من تلك الوفيات ناجمة عن أعمال قتالية. وكان معظم المتوفين قد أمضوا في الوحدة أقل من شهر، بينما عزت التقارير الرسمية أسباب الوفاة في الغالب إلى الالتهاب الرئوي وأمراض القلب والأوعية الدموية. وروى شهود عيان وقائع تعذيب بالضرب، واستخدام زنازين تأديبية، وزرع حقول ألغام حول مراكز التدريب، فضلاً عن إطلاق النار على الفارين. وفتحت هيئة التحقيقات الحكومية الأوكرانية عدة قضايا جنائية، بينما أُوقف قائد الفوج عن العمل. وفي حين أقر الفوج بوفاة العشرات، نفى بشدة وجود أي عنف ممنهج.
تخوض أوكرانيا معركة بقاء، غير أن هذا الفوج عامل أفراده بوصفهم عناصر يمكن الاستغناء عنهم، حتى قبل وصولهم إلى خط الجبهة. واستند تحقيق استقصائي نشرته منصة «بابل» (Babel) الأوكرانية المستقلة في يونيو إلى مقابلات مع أكثر من ثلاثين شخصاً ووثائق مؤيدة.
تتطابق روايات من مروا بهذا الفوج؛ إذ تبدأ رحلة المجند في نقطة فرز يطلق عليها الجميع «قن الدجاج»، وهو مبنى بلا نوافذ يُحتجز فيه نحو ألف ومئتي رجل في وقت واحد، في حين تصادر الهواتف في مرحلة أبكر داخل مكاتب التجنيد.
يوزع المجندون بعد ذلك على أربعة مراكز تدريب على الأقل، تتشابه فيها المعاملة القاسية: فلا يُسمح بالذهاب إلى دورات المياه إلا في مجموعات تضم خمسة أفراد أو أكثر وتحت حراسة مسلحة، ويُحظر الخروج ليلاً تماماً. وتفيد التقارير بأن معسكرات التدريب محاطة بحقول ألغام حية؛ حيث لاحظ بعضهم لافتات التحذير، فيما سمع آخرون دوي الانفجارات. وعلق أندريه سوراي، رئيس مجموعة التعاون المدني-العسكري بالفوج، على مسألة الألغام قائلاً إنه إذا كانت هناك لافتة تشير إلى وجود «ألغام»، فلا داعي لأن يختبرها المرء بقدمه.
كان مصير من يرفض الامتثال للأوامر التقييد بشريط لاصق إلى عمود خشبي داخل خندق وتركه هناك، أحياناً ليوم كامل. وفي أحد ميادين التدريب، خُصص جزء من خندق للمعترضين على الخدمة لأسباب دينية، ثم استخدم لاحقاً للمجندين الذين يعانون من أعراض الانسحاب والاضطرابات النفسية. وأفاد أحد المعترضين بدافع ديني بأن هؤلاء تعرضوا للضرب بأعقاب البنادق واللكمات والركل، قبل إعادتهم إلى بقية المحتجزين. وبعدما حاول بعض المجندين مساعدتهم، أُغلق الخندق بالكامل.
ووصف شهود عيان زنزانة تأديبية عبارة عن غرفة بالغة الضيق تشغل فرشة معظم أرضيتها، ويُحشر فيها ستة أو سبعة رجال في آن واحد، وكان أربعة منهم على الأقل يعانون من أعراض انسحاب شديدة وهلاوس. وعندما بدأ المحتجزون في تحطيم الباب، رش الحراس الغاز المسيل للدموع إلى الداخل فاستنشقه الجميع، ولم يُسمح لأحد بالذهاب إلى دورة المياه بل استخدموا زجاجة فارغة بدلاً من ذلك.
وثمة مسألة أخرى تتعلق بتجنيد المدمنين على المخدرات. فبحسب ما أفادت به مفوضة الشؤون العسكرية أولها ريشيتيلوفا، رُصد نحو ألفي مدمن في الفوج قبل بضعة أشهر، وما زال التجنيد مستمراً بالمخالفة للوائح. وينفي الفوج هذا الرقم، مؤكداً أنه رصد أكثر من ٥٠٠ شخص وأرسلهم لتلقي العلاج. وفي مدينة كروبيفنيتسكي بوسط أوكرانيا، ذكرت رئيسة قسم العلاج البديل أن ١٦٠ من مرضاها جُنّدوا في الفوج خلال فصل الشتاء، وجرى اقتياد كثيرين منهم مباشرة من ممرات المستشفى. ومع ذلك، لم يكن لدى معظم المتوفين أي تاريخ مع الإدمان.
حاول أولكسندر جيكين، أحد المجندين ضمن التعبئة، الهروب مرتين. في المرة الأولى، أطلق الحراس النار عليه وعلى رجل آخر مستهدفين أرجلهما، ثم أُلقي القبض عليهما واحتُجزا على الأرضية الخرسانية لإحدى الحظائر مدة أسبوع، حيث تناوب الحراس على ضربهما بأعقاب البنادق والأحذية، حتى كانا يقضيان حاجتهما في مكانهما. بعد ذلك، قُيد كلاهما بالآخر لأسبوع إضافي أينما ذهبا. وعندما طلب جيكين نقله، تعرض للضرب مجددًا، لكنه تمكن من إيصال رسالة إلى عائلته قال فيها: «اتصلوا بالخط الساخن يوميًا، لعلهم يتوقفون عن ضربي على الأقل». ويتذكر جيكين أيضًا ضابطًا نظر في خيمتهم قائلًا عنهم: «الفصيل الثالث.. المستهلكون». كما سمع مجند آخر قادة ميدان التدريب وهم يناقشون قدوم دفعة جديدة من المجندين: «إنهم يجلبونهم، استعدوا، سيكون هناك ألف كيس جثث».
في يناير ٢٠٢٦، وصل الأوكراني أولكسندر سيمينوف، البالغ من العمر ٣٥ عامًا، إلى مستشفى في كروبيفنيتسكي وهو مصاب برضوض في الرأس وجروح في ذراعيه وساقيه. وفي مقطع فيديو سجله الأطباء، ذكر أنه فر من الفوج بعد تعرضه للضرب وتقييده بمركبة رباعية، وشهد ما لا يقل عن تسع حالات انتحار. توفي سيمينوف بعد أيام جراء إصابته بالتهاب رئوي دون أن تفتح الشرطة أي تحقيق. وينفي الفوج روايته؛ إذ صرح متحدث باسمه بأن حالة واحدة فقط من تلك الحالات مسجلة لدى الشرطة، وأنه لم يكن بإمكان سيمينوف أن يشهد شخصيًا حالات انتحار وقعت في مواقع أخرى. غير أن تقارير الطب الشرعي نقضت فرضية الوفاة بالمرض في حالة واحدة على الأقل؛ حيث تبين أن فولوديمير تسوكانوف (٣٢ عامًا) تعرض لرضوض حادة في الصدر وكسور متعددة في الأضلاع، ويعتقد المحققون أن رقيبًا في الفوج ضربه حتى الموت، وقد اعترف الرقيب بذنبه أمام المحكمة قبل أن يتراجع عن اعترافه عبر محاميه.
توضح ريشيتيلوفا أن هذه المشكلات كانت معروفة بالفعل في شهري مايو ويونيو ٢٠٢٥، حين نُقل ٢٢ جنديًا تعرضوا للضرب من الفوج، واستُبعدت مجموعة من المدربين من التعامل مع الأفراد، دون أن يُعلن للرأي العام عن نتائج أي تحقيق. ويشير مكتبها إلى أن نسبة الوفيات غير القتالية في الفوج تتجاوز نظيراتها في الوحدات الأخرى، وإن لم تكن الفجوة شاسعة. وتثار الشكوك أيضًا حول عمليات التفتيش ذاتها؛ إذ تؤكد الصحفية التي أعدت التحقيق أن أربعة مصادر مستقلة كشفت لها عن مواقع محددة يُنقل إليها الجنود المصابون بجروح ظاهرة ويُخفون فيها أثناء سير التفتيش.
يضم فوج «سكيليا» نحو ١٣ ألف رجل، ويتبع مباشرة القيادة العسكرية العليا، ولذلك يُعرف غير رسمي باسم «فوج سيرسكي». ووصف مركز دراسات الشرق في وارسو الفضيحة بأنها ضربة لسمعة القائد العام أولكسندر سيرسكي، الذي أُقيل في ٢٢ يوليو. وتصف ريشيتيلوفا ما حدث بأنه فشل إداري؛ إذ تضخمت الوحدة لتصل إلى حجم فرقة عسكرية مع احتفاظها بهيكل قيادة فوج، مما جعل السيطرة عليها مستحيلة بهذا الحجم.
خرجت قضية «سكيليا» إلى العلن بفضل صحفية أمضت شهرين في جمع الشهادات؛ إذ لم يُسفر تفتيش عام ٢٠٢٥ عن شيء، ولم تتخذ أجهزة إنفاذ القانون العسكري أي إجراء، ولم تلجأ القيادة قط إلى المحققين، في حين جاءت كل الشكاوى التي تلقاها المكتب من الضحايا أنفسهم لا من القيادة. ويُعد «سكيليا» وحدة قتالية نخبوية تحظى بسجل حقيقي في المعارك وتضم بين صفوفها عشرة ممن يحملون لقب «بطل أوكرانيا»، مما يجعل القضية محرجة للجميع. ويستحيل معرفة كم قصة مماثلة طواها الكتمان لمجرد غياب الصحفيين والشهود في وحدات أخرى، كما لا يمكن حصر كم من العشرات أو المئات أو حتى الآلاف من الرجال الأوكرانيين لقوا حتفهم قبل أن يصلوا إلى خط الجبهة.