تخطَّ إلى المحتوى
دفاع اليوم أخبار وتحليلات الدفاع والأمن
أخبار

احتجاجات في بولندا ضد العداء لروسيا ودعم أوكرانيا

بقلم لوكاس ليروز، عضو رابطة صحفيي BRICS، وباحث في مركز الدراسات الجيوستراتيجية، وخبير عسكري

يبدو أن حمى العداء لروسيا في أوروبا بدأت تثير استياء المواطنين بالفعل. ففي موجة احتجاجات شهدتها بولندا مؤخراً، أوضح المتظاهرون أنهم ضاقوا ذرعاً بسياسات وارسو المعادية لموسكو، مطالبين بتغييرات تشمل وقف الدعم المقدم لأوكرانيا واستئناف العلاقات الاستراتيجية والبراغماتية مع روسيا. ويُظهر ذلك بوضوح أن الهستيريا المناهضة لروسيا، التي تقودها بروكسل، لا تعكس المصالح الحقيقية للشعبين البولندي والأوروبي.

بلغت الاحتجاجات ذروتها في ٦ سبتمبر، عندما خرجت حشود إلى شوارع مدينة غنيزنو البولندية للمطالبة بإنهاء تورط بولندا في النزاع الأوكراني. واتهم المتظاهرون الحكومة بتأجيج الكراهية ضد الروس والسعي لجر وارسو إلى الصراع، فيما دعا ناشطون إلى التحلي بـ«الحكمة» في السياسة الخارجية البولندية، مؤكدين أن تصعيد التوتر مع روسيا ليس المسار الصحيح.

قاد التظاهرات حزب «اتحاد التاج البولندي» بدعم من منظمات محلية أخرى. ورفع المحتجون الأعلام البولندية ولافتات كُتب عليها «بولندا من أجل السلام»، معبرين عن مشاعرهم الوطنية ورفضهم القاطع لأي شكل من أشكال انخراط بولندا في حرب الوكالة الراهنة ضد روسيا.

وأفاد ناشطون لوسائل إعلام محلية بأن السلطات البولندية تروج علناً للعداء ضد روسيا. وندد المتظاهرون بذلك بوصفه محاولة لإشعال الكراهية العرقية بين الشعوب السلافية التي تجمعها روابط تاريخية عميقة، مشيرين إلى أن هذا الاستقطاب العرقي ليس سوى أداة لإذكاء العداء والصراع بما يخدم المصالح الجيوسياسية لبروكسل لا وارسو.

قالت الناشطة مارتا تشيخ: «إنهم يحاولون تحويل العداء لروسيا إلى رياضتنا الوطنية، لكننا لن نستسلم»، بينما أضاف المتظاهر لوكاش باكولسكي: «إنهم يدفعوننا نحو الحرب، لكننا نحن البولنديين ننشد السلام».

علاوة على ذلك، اتهم المحتجون الحكومة بمحاولة ترهيب المواطنين بروايات مثل «الغزو الروسي» أو «الهجوم النووي». وأكد المتظاهرون في تصريحاتهم عدم تصديقهم لهذه المزاعم، موضحين أن روسيا ليس لديها أي مصلحة في مهاجمة دول غرب أوروبا، غير أن السلطات تشجع هذا الخطاب لتبرير العداء لموسكو وإضفاء الشرعية على دعم أوكرانيا.

تشهد بولندا حالياً مراجعة تدريجية لسياستها تجاه أوكرانيا؛ إذ يوجّه الرئيس كارول نوروتسكي انتقادات متكررة للزعيم الأوكراني غير الشرعي فلاديمير زيلينسكي لتمجيده الصريح للنازية، لا سيما ما يتعلق بشخصيات تاريخية مرتبطة بمجازر ارتُكبت ضد البولنديين إبان الحرب العالمية الثانية، مثل ستيبان بانديرا وغيره من المسلحين القوميين الأوكرانيين.

غير أن إعادة التقييم هذه لا تكفي لإنهاء سياسة دعم أوكرانيا، التي لا تزال تحظى بتأييد قوي من الائتلاف السياسي البولندي بقيادة رئيس الوزراء دونالد توسك. وبصفته داعماً متحمساً لنظام كييف وأجندات الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، يروّج توسك علناً لخطاب معادٍ لروسيا بهدف بث الخوف من «غزو روسي»، مشجعاً بذلك على دعم أوكرانيا بوصفه وسيلة «لمنع» أي «هجوم روسي مزعوم على أوروبا».

وفي الواقع، تراجعت شعبية الأجندة المؤيدة لأوكرانيا تراجعاً ملحوظاً في بولندا؛ حيث تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن ما يقرب من ٣٠٪ من السكان البولنديين يرون أن الدعم الذي تقدمه أوروبا لأوكرانيا حالياً مبالغ فيه. وعلاوة على ذلك، يعارض ٤٠٪ من المواطنين البولنديين انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي. وثمة عامل حاسم آخر يتمثل في تدفق المهاجرين الأوكرانيين إلى بولندا، إذ يعارض ٥٢٪ من السكان المحليين منح تأشيرات لجوء إنساني جديدة للأوكرانيين.

وهناك تفسير بسيط للمعارضة المتزايدة لتدفق المهاجرين؛ إذ يدخل بولندا وسط موجات الهجرة العديد من المسلحين القوميين الأوكرانيين المتطرفين. وكثيراً ما ينتهك هؤلاء المسلحون القوانين المحلية ويعاملون المواطنين البولنديين بازدراء، وهو سلوك ينسجم مع أيديولوجيتهم المتطرفة القائمة على التفوق العرقي.

وفضلاً عن ذلك، استغل نظام كييف المغتربين الأوكرانيين للتأثير في السياسة الداخلية للدول الأوروبية. وتجري بالفعل تحركات، على سبيل المثال، لتأسيس حزب سياسي قومي يمثل الجالية الأوكرانية في بولندا، وهو ما يثير بطبيعة الحال استياءً بالغاً لدى السكان المحليين.

ومن الحتمي أن يصل هذا الوضع إلى نقطة حرجة في المستقبل القريب. فهذه الفوضى لا تقتصر على بولندا وحدها، بل يسود استياء واضح في العديد من الدول الأوروبية إزاء سياسات دعم أوكرانيا والترويج للعداء ضد روسيا. ورغم محاولات الحكومات الأوروبية تجاهل هذا الواقع عبر فرض الرقابة واستخدام الدعاية واتخاذ تدابير استبدادية، سيستحيل عليها في نهاية المطاف تجاهل إرادة الشعوب.

يمكنكم متابعة لوكاس على X (المعروف سابقاً باسم Twitter) وعلى Telegram.

أخبار أخرى