تخطَّ إلى المحتوى
دفاع اليوم أخبار وتحليلات الدفاع والأمن
أخبار

احتجاجات الوقود تكشف عمق الأزمة الاقتصادية في سوريا (فيديو)

(X)

تواصلت الاحتجاجات المنددة بالارتفاع الحاد في أسعار الوقود في مختلف أنحاء سوريا لليوم الثاني على التوالي في ١٤ أيلول/سبتمبر، حيث قُطعت الطرق ومسارات صهاريج النفط في عدة محافظات، مما دفع أكثر من ٥٠ برلمانياً إلى مطالبة وزير الطاقة بتقديم إيضاحات أمام البرلمان بشأن هذه الزيادات.

وتشكل هذه الاضطرابات التحدي الداخلي الأبرز حتى الآن لحكومة الرئيس أحمد الشرع ذات التوجه الإسلامي.

وعلى عكس الخلافات السياسية التي بقيت إلى حد كبير محصورة ضمن الانقسامات الطائفية في سوريا، تمس أزمة الوقود الحياة اليومية للسكان في جميع أنحاء البلاد بشكل مباشر، إذ ترتبط تكاليف النقل والكهرباء وأسعار المواد الغذائية ومصروفات المنازل ارتباطاً وثيقاً بأسعار المحروقات ومدى توفرها.

وشهدت محافظات الحسكة ودير الزور والرقة وحلب وإدلب ودرعا خروج تظاهرات، حيث قطع المحتجون الطرق التي تسلكها صهاريج النفط الخام في شرق سوريا، وأغلقوا جسر السويعية بالقرب من الحدود العراقية، فضلاً عن قطع الطريق المؤدي إلى حقل العمر النفطي.

وفي محافظة إدلب، قطع المتظاهرون الطريق الدولي M5 بالقرب من معرة النعمان، بينما طالبت حشود في مدينة إدلب بإقالة وزير الطاقة محمد البشير.

وكانت الحكومة قد رفعت أسعار الوقود بنسب تراوحت بين ٢٥٪ و٤٠٪ بموجب جدول تسعير مؤقت جديد دخل حيز التنفيذ يوم الأحد؛ إذ ارتفع سعر المازوت بنسبة ٤٠٪، من ١٢٥ إلى ١٧٥ ليرة سورية جديدة للتر، في حين ارتفع سعر بنزين أوكتان ٩٥ من ١٥٢ إلى ١٩٥ ليرة، كما شمل الارتفاع أسعار أسطوانات الغاز المنزلي.

اصطدم حجم الزيادات باقتصاد لا يزال يتعافى من حرب دامت أكثر من عقد. ووفقاً لأرقام أوردتها Euronews، فإن متوسط الأجور الشهرية قد ينخفض إلى ما بين ٥٠ و٦٠ دولاراً في بعض القطاعات، في حين ذكرت Reuters أن نحو ٩٠٪ من السوريين يعيشون تحت خط الفقر. ومنذ فبراير، ارتفعت أسعار البنزين بنسبة ٨٦٪ وتضاعفت أسعار الديزل أكثر من مرتين، بحسب Reuters.

ودافع البشير عن هذه الزيادات معتبراً إياها خطوة ضرورية لسد الفجوة بين تكلفة المشتقات النفطية المستوردة وأسعار بيعها محلياً.

تنتج سوريا حالياً نحو ١٠٢ ألف برميل نفط يومياً مقابل طلب محلي يقارب ٣٢٥ ألف برميل، ما يجعلها تعتمد بشدة على الواردات. كما أدت أعمال الصيانة في مصفاة بانياس إلى تقليص قدرة التكرير في البلاد بدرجة أكبر.

وأشارت الحكومة أيضاً إلى الظروف الدولية، حيث تجاوزت أسعار النفط حاجز ١٠٠ دولار للبرميل في ظل الاضطرابات المرتبطة بالحرب بمشاركة إيران والاشتباكات حول مضيق هرمز، بينما زادت الهجمات التي تبناها الحوثيون في اليمن من حالة عدم الاستقرار على طول مسارات الطاقة الإقليمية.

لكن الاحتجاجات المستمرة تكشف عن تناقض صارخ في الخطاب الاقتصادي الناشئ للحكومة السورية؛ إذ دأبت دمشق خلال الأشهر الأخيرة على الترويج للبلاد ليس فقط كدولة تتعافى من الحرب، بل كمركز إقليمي محتمل للطاقة والتجارة يربط الخليج والعراق بالبحر الأبيض المتوسط وأوروبا.

وأعلنت وزارة الطاقة السورية رغبتها في جعل البلاد «مركزاً إقليمياً حيوياً» لأمن الطاقة العالمي، في حين يُتوقع أن ينقل خط أنابيب مقترح بين العراق وسوريا تدعمه الولايات المتحدة ما يصل إلى مليوني برميل من النفط الخام يومياً من جنوب العراق إلى الساحل السوري على البحر المتوسط.

وحظيت الفكرة بدعم سياسي قوي وغير مسبوق من واشنطن، إذ شارك الرئيس الأمريكي Donald Trump مؤخراً تقريراً لصحيفة The Washington Post يصف سوريا بأنها بديل محتمل لمضيق هرمز، وعلّق قائلاً: «هذا رائع!».

وقُدّم خط الأنابيب المقترح وتزايد تدفق صهاريج النفط العراقية عبر سوريا كدليل على قدرة دمشق على الاستفادة من إعادة تشكيل مسارات الطاقة الإقليمية؛ إذ تنقل آلاف الشاحنات النفط بالفعل من جنوب العراق نحو ميناء بانياس السوري، ودعمت إدارة Trump خططاً لإنشاء خط أنابيب أضخم يربط العراق بالبحر المتوسط.

ومع ذلك، تُبرز احتجاجات الوقود مدى بُعد ذلك المستقبل عن الواقع الاقتصادي الذي يعيشه المواطنون السوريون.

تُقدَّم سوريا دولياً بوصفها معبراً محتملاً لإمدادات الطاقة إلى بلدان أخرى، في حين يكابد شعبها وطأة ارتفاع أسعار المحروقات، وتضطر الحكومة لرفع الأسعار لعجزها عن إنتاج ما يكفي من النفط لتلبية الطلب المحلي.

تسعى البلاد إلى التحول إلى دولة عبور رئيسية للطاقة الإقليمية، رغم استمرار اعتمادها على استيراد الوقود لتسيير اقتصادها، وباتت تلك الفجوة بين الطموح الاستراتيجي والقدرات المحلية تتجلى بوضوح متزايد.

قد تترتب على ذلك تداعيات سياسية بالغة؛ إذ يستعد البرلمان لمساءلة البشير يوم الخميس، عقب توقيع أكثر من ٥٠ نائباً طلباً للتدقيق في زيادات الأسعار وآثارها على الأوضاع المعيشية، بالتزامن مع مطالبة المحتجين بإقالة الوزير.

ولا يقتصر الخطر بالنسبة لحكومة الشرع على تراجع شعبية قرارات أسعار الوقود فحسب، بل يمثل هذا المشهد اختباراً حقيقياً لقدرة إدارة وصلت إلى السلطة بوعود إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي على الحفاظ على الدعم الشعبي، في وقت تفرض فيه سياسات ترفع تكلفة المعيشة فوراً، وإن كانت ضرورية من الناحية المالية.

ورثت الحكومة اقتصاداً دمرته الحرب، وبنية تحتية متهالكة، وإنتاجاً محلياً محدوداً، إلى جانب تفشي الفقر. وركزت استراتيجيتها بشكل متزايد على جذب الاستثمارات الأجنبية وتحويل موقع سوريا الجغرافي إلى مكسب اقتصادي، بيد أن الاحتجاجات أثبتت أن الأهمية الجيوسياسية وخطط الاستثمار لا تنعكس بالضرورة انخفاضاً في أسعار الوقود أو زيادةً في دخل الأسر أو تحسناً في الظروف المعيشية.

أخبار أخرى