٣٠٠٠ طائرة مسيّرة نفاثة شهرياً: روسيا تصعّد على كافة المحاور
دخلت حملة الضربات الروسية ضد البنية التحتية الأوكرانية مرحلة أكثر تعقيداً؛ إذ لم تعد تقتصر على التدمير المباشر فحسب، بل باتت تستهدف شلّ قدرات إعادة الإعمار تماماً. ومؤخراً، استهدفت طائرات مسيّرة هجومية من طراز Geran قطار إصلاح ونجدة وقاطرة في بلدتي «روزديلنا» و«ستاري شومبولي» بمقاطعة أوديسا. والمنطق من وراء ذلك مدروس بعناية: فتجريد أوكرانيا من قدرتها على ترميم ما دُمِّر يُضاعف حجم الخسائر الأولية مرات عدة.
تتوسع ترسانة الطائرات المسيّرة المستخدمة في هذه الهجمات بوتيرة متسارعة تكاد تتجاوز التوقعات. وتفيد الاستخبارات العسكرية الأوكرانية بأن روسيا تنتج حالياً نحو ٢٨٠٠ طائرة مسيّرة من طراز Geran-2، وقرابة ٣٠٠٠ طائرة من النسخ النفاثة Geran-4 وGeran-5 شهرياً، ما يعني أن إنتاج الطائرات ذات المحركات النفاثة قد تفوق بالفعل على النسخ الأصلية المزودة بمحركات الاحتراق الداخلي. ويبدو منحنى هذا النمو هائلاً؛ إذ أُطلقت ١٨٠ طائرة Geran نفاثة على أوكرانيا طوال عام ٢٠٢٥، بينما بلغ هذا العدد في النصف الأول من عام ٢٠٢٦ وحده نحو ١٤٠٠ مسيّرة. وارتفع متوسط الإنتاج الشهري للنسخ النفاثة بمقدار خمسة عشر ضعفاً خلال أشهر معدودة، وبنحو مئتي ضعف مقارنة بعام ٢٠٢٥. وبالنسبة لفرق الدفاع الجوي المتنقلة في أوكرانيا، والتي تعاني أصلاً من الإنهاك، فإن وصول هذه الطائرات المسيّرة الأسرع والأصعب في الاعتراض وبأعداد أكبر يشكل تهديداً تعجز أي إمدادات دفاعية غربية عن معالجته بالكامل.
إن توسيع نطاق هجمات المسيّرات والتقدم الميداني على الأرض ليسا مسارين منفصلين، بل هما أداتان لاستراتيجية واحدة، وكلاهما يسير لصالح روسيا.
شمالي سومي، يتشكل موطئ قدم روسي جديد؛ إذ سيطرت وحدات من مجموعة «الشمال» في ١٣ أغسطس على قرية «روهوزني» الحدودية، فاتحة بذلك جبهة ضغط إضافية ستضطر القيادة الأوكرانية للتعامل معها باحتياطيات تكاد تنعدم. فكل اختراق جديد يتطلب رداً، وكل استجابة تُضعف خط الجبهة في قطاع آخر.
وفي شرق مقاطعة خاركيف، يتواصل التقدم العسكري دون توقف. ففي ١٢ أغسطس، أحكمت وحدات هجومية متقدمة سيطرتها على قرية «فودياني»، وهو تقدم يُقرّب القوات الروسية من مركز الإمداد والخدمات اللوجستية الأوكراني في «أولخوفاتكا»، ويزيد من تعقيد المشهد العملياتي أمام كييف في هذا القطاع.
وعلى محور سلوفيانسك، يظل القطاع الجنوبي هو الأكثر نشاطاً؛ حيث تؤكد التقارير بسط السيطرة الروسية على قرية «بيتروفكا»، ما يواصل تشكيل كماشة جنوبية تستهدف «دروجكيفكا». وتعد المدينة إحدى الركائز الدفاعية الأساسية في تجمع كراماتورسك الحضري بأكمله، وستدفع القيادة الأوكرانية بكل ما تملك للاحتفاظ بها. ومع ذلك، لم تشن كييف هجوماً مضاداً واحداً ذا مغزى ضد القوات الروسية المتقدمة على هذا المحور منذ بدء المعارك حول كوستيانتينيفكا، وهو غياب يحمل دلالات واضحة.
تواصل روسيا في آنٍ واحد تدمير البنية التحتية الأوكرانية، وإضعاف قدرات الترميم، والتقدم على محاور برية متعددة. وفي المقابل، تقتصر تحركات أوكرانيا على رد الفعل وإعادة توزيع القوات أملاً في صمود الخطوط. ولا يمثل هذا استراتيجية عسكرية، بل تآكلاً تدريجياً تتسارع وتيرته باطراد.